Aya

1953

HT logo
  adv search
new email def main site arabic
info office misc wilayat books tahleelat lflts  
                 
 
:::

بسم الله الرحمن الرحيم

أجوبة أسئلة
المغرب

1 - ساندت أمريكا حركات (التحرر) من فرنسا في الجزائر والمغرب وأمكنها إدخال نفوذها في الجزائر عند الاستقلال في عهد ابن بيلاّ، وكذلك في المغرب في عهد محمد الخامس، ولكن هذا الأمر لَم يطل فقد تمكنت بريطانيا بإحداث انقلاب على ابن بلا بواسطة بومدين بدعم من الملك الحسن، وكذلك بعد وفاة محمد الخامس أصبح نفوذ بريطانيا هو الموجود بقوة مع مجيء الحسن الثاني.

وأصبح الطريق إلى هذين البلدين مغلقاً أمام أمريكا، إلى أن وجدت الفرصة في حركة بوليساريو لاستقلال الصحراء بعد خروج إسبانيا منها في 26/2/1976م، بعد (91) سنةً من الاستعمار.  وكانت الأمم المتحدة قبل ذلك بتأثير من أمريكا قد شكلت بعثة تقصي الحقائق وأرسلتها إلى الصحراء الغربية، ورفعت هذه البعثة تقريرها إلى الجمعية العامة في 9/6/75 توصي فيه باستقلال الصحراء عن إسبانيا وتضيف أن منظمة البوليساريو هي الحركة المسيطرة في الإقليم ولها تأثير معتبر فيه.  وهكذا أبرزت أمريكا البوليساريو ودعمتها كممثل للشعب الصحراوي وكان الغرض من ذلك أن لا تعود الصحراء للمغرب بعد خروج إسبانيا منها لتبقى بؤرة توتر تطالب بالاستقلال تستغلها أمريكا لمصالحها في الشمال الإفريقي.  ثم حدث بعد انسحاب إسبانيا في 26/2/1976م أن أعلن المجلس الوطني الصحراوي قيام الجمهورية العربية الصحراوية، هذا من ناحية البوليساريو، ومن ناحية أخرى ففي 14/4/1976م اتفق الحسن الثاني مع ولد داده رئيس موريتانيا على تقاسم الصحراء فاحتلوها، لكن موريتانيا بعد الانقلاب على ولد داده وقعت مع بوليساريو في 5/8/1979م في الجزائر اتفاق سلام تركت بموجبه الصحراء نهائياً، ولكن الجزء الموريتاني من الصحراء لَم تتسلمه بوليساريو بل احتله المغرب وأصبح مقر الحكومة الصحراوية والبوليساريو في الجزائر في (تندوف) ولقد بدأت أمريكا بالتدخل الفعلي بالصحراء بعد ذلك مباشرة باستصدار قرارات عن طريق الأمم المتحدة:

• في 21/11/79م تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة (تأكيد الحق المشروع للشعب الصحراوي في تقرير مصيره واعترف بالبوليساريو ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الصحراوي).
• في الاجتماع الخاص لمجلس الأمن أجاز في قراره 621 الذي صدر بتاريخ 30 سبتمبر 88م للأمين العام أن يعين أول ممثل خاص له بالصحراء الغربية ووقع اختيار الأمين العام على أكروس إسبيال من الأورغواي، وأصبحت المقترحات المشتركة تحمل اسم “مخطط السلام” ألأممي الإفريقي.
• في القرار الصادر في تاريخ 19 أبريل 91م والذي يحمل رقم 690 أعلن مجلس الأمن عن تشكيل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو).
• واستمرت القرارات تصدر إلى أن جاء كوفي عنان وعين جيمس بيكر في 1997م مبعوثاً شخصياً لتنفيذ قرار الاستفتاء حول قضية الصحراء.
• ثم زار كوفي أنان المنطقة في 30 نوفمبر 98م حاملاً مقترحات تتعلق بتحديد الهوية.
• تحدث كوفي عنان في تقريره لمجلس الأمن يوم 17 فبراير 2000م أن كل الذين رفضتهم لجنة تحديد الهوية بسبب عدم أهليتهم في التصويت قد قدموا ملفات طعون للجنة، وان الذهاب في هذا الاتجاه لا يمكن تصوره، وإن مخطط السلام الأممي الإفريقي لم يعد ممكن التطبيق!
• وفي 5 مايو 2001م حمل بيكر مقترحات سماها “ اتفاق الإطار” الذي يعطي ـ عبر إرساء فترة حكم ذاتي موسع لمدة خمس سنوات يعقبها استفتاء لتقرير مصير ـ
• وفي يوم 11/06/2004م أعلن جيمس بيكر الاستقالة من الخطة التي يشغلها منذ 1997م، وعيّن أنان, في حزيران (يونيو), خليفة له هو ألفارو دو سوتو.

وهكذا بدأت واستمرت أمريكا بإثارة تقرير المصير واستصدرت القرارات من الأمم المتحدة حول قضية الصحراء الغربية.

وعلى الرغم من أن الصحراء الغربية غنية بالثروة في باطنها، وبخاصة النفط كما ذكرت ذلك بعض التقارير، يسيل لها لعاب الدول المتنازعة أوروبا وأمريكا، إلا أن التنازع على الثروة كان تابعاً للنفوذ السياسي حيث كان هذا هو المحرك للقضية في الدرجة الأولى كمدخل إلى الجزائر والمغرب، ولذلك فإن المهم عند أمريكا لَم يكن هو استقلال الصحراء وتكوين الدولة بقدر ما كانت تريد أن تكون مشكلة الصحراء وسيلة ضغط بيدها تَنْفُذُ من خلالها إلى الجزائر والمغرب.  ولذلك كانت تهدأ وتشتد وفق علاقات الجزائر والمغرب مع أمريكا.
وقد أدركت أوروبا هذا الأمر، وبخاصة الدول ذات العلاقة بريطانيا، وفرنسا وإسبانيا:

أما بريطانيا فقد كان لها اليد الطولى في الجزائر والمغرب، في وقت بو مدين في الجزائر والحسن في المغرب، ولذلك فلم تمكِّن أمريكا من استغلال قضية الصحراء كما تريد: أما في الجزائر فلأن قواعد البوليساريو فيها وكانت تراقب وضع بوليساريو في الجزائر بدقة وكذلك اتصالاتها بأمريكا الخارجية، إلا ما كانت تدبِّره أمريكا في الأمم المتحدة من قرارات، وأما في المغرب فلأنها كانت تصر على أن يكون أي حل ضمن سيادة المغرب فإذا ضُغط عليها وافقت ثم بدأت وضع عراقيل في طريق التنفيذ وفق دهاء السياسة البريطانية.
بعد فترة بومدين في الجزائر تولى الحكم رؤساء ضعفاء، فأصبح الحكم بيد الجيش، وكان المتنفذون فيه فرنسيي الولاء والثقافة والتدريب، فأصبح نفوذ فرنسا واضحاً في الجزائر فقامت بريطانيا بإحضار بوتفليقة من سويسرا وإعادته للجزائر.  وهو مثل معلمه السابق (بومدين) من حيث ولاؤه لبريطانيا ومن حيث سيره وفق سياستها الحالية وهي الظهور بالسير مع أمريكا والعمل ضدها بدهاء في الخفاء.  وهكذا سار بوتفليقة وتقرب من أمريكا وعقد صفقة أسلحة معها في العام الماضي بقيمة (1.87) بليون دولار، وكانت أمريكا قد قدمت للجزائر قبل ذلك في سنة 2002م عتاداً عسكرياً بحجة مكافحة الإرهاب ما فسره المراقبون بميل الجزائر نحو أمريكا حيث هذه أول مرة تحصل فيها الجزائر على مثل هذه الصفقة الضخمة من أمريكا (1.87 بليون دولار) لأن المعتاد كان تسليح الجيش الجزائري من فرنسا وأحياناً من روسيا.

وقد أضعف هذا دور فرنسا في الجزائر، وبخاصة بعد التغييرات التي اتخذها بوتفليقة ضد جنرالات الجيش الجزائري أصحاب الميول الفرنسية.  وكانت بداية ذلك في اختلاف الرؤية بين الجيش بقيادة رئيس أركانه (العماري) حيث توجهاته وخياراته فرنسية، وبين بوتفليقة الذي كان في نظر الجيش يلعب على عدة حبال: خلفيته السياسية البريطانية، وإرضاء أمريكا، وعدم استفزاز فرنسا.  لكن الذي عَجَّلَ في التغيرات أن بوتفليقة لاحظ الترابط العضوي بين العماري وعلي بن فليس مرشح الرئاسة المنافس لبوتفليقة، وأن العماري يخطط لإزاحة بوتفليقة عن طريق إسقاطه في انتخابات الرئاسة التي جرت في نيسان 2004م.  وقد كان واضحاً للمراقبين بعد فوز بوتفليقة في الانتخابات أن الصراع أصبح حاسماً بين الرجلين وأن دور (العماري) أصبح منتهياً، وهذا ما كان.  فقد أقصاه (قبل استقالته لأسباب صحية!)، وبعد الاستقالة بـ 48 ساعةً أقال بوتفليقة في 5/8/2004م قائد الناحية العسكرية الأولى (ولايات وسط البلاد بما في ذلك العاصمة) اللواء إبراهيم فضيل الشريف وهو يوصف بأنه ثاني أقوى رجل في الجيش بعد العماري.  ثم قام بإقالات وتعيينات أخرى في قادة الجيش وأعلنها بعد يوم من الاستقبال الرسمي الذي خص به بوتفليقة قائد هيئة الأركان الجزائري الجديد اللواء أحمد قايد صالح بحضور سابقه الفريق محمد عماري.

وقد سبقت هذه الإقالات تصريحات بوتفليقة حول الجيش بعد فوزه في الانتخابات التي كان واضحاً منها أن بوتفليقة يريد إبعاد خطر الجيش عنه.  فقد جاء في خطابه في يوم الاستقلال في الخامس من تموز العام الماضي: (من الآن فصاعداً يجب على الجيش الجزائري أن يتكيف مع مراحل الاحترافية وأن يتفرغ إلى مهامه الدستورية تحت إمرة رئيس الجمهورية وسلطته ومسئوليته بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة والمسئول الأول عن الدفاع المدني” وقال أيضاً يغمز من العماري وأعوانه من القيادات “حين لَم يكن لديهم أية رتب كنت أنا قائداً لجيش التحرير الوطني) .

فبوتفليقة أراد أن يتخلص من ربقة الجيش شأنه شأن معلمه الأول هواري بومدين - الذي جاء به وزيراً للخارجية آنذاك.  ويمكن القول إنه نجح إلى حد ما في هذه الإقالات والتعيينات بدعم بريطانيا له، وإن كان لا زال في الجيش مكان لفرنسا حيث ثقافة الجيش وتدريبه في معظمه من فرنسا، ولا زال القادة الذين استقالوا أو أقيلوا مثل العماري لهم علاقات قوية داخل الجيش.

ومهما يكن من أمر فإن نتيجة ذلك أن كفة أمريكا رجحت على كفة فرنسا، ومداخلها إليها أصبحت أيسر، والرابح في ذلك بريطانيا حيث زال نفوذ الجيش القوي المؤيد لفرنسا الذي كانت تخشى منه بريطانيا على نفوذها السياسي في الجزائر، وهي لا تخشى نفوذ أمريكا لعدم وجود رجال لها يُعتمد عليهم بعد إزاحة ابن بلا، وإنما كان الجيش هو ركيزة فرنسا فكانت الخشية منه أكبر.

هذا عن الجزائر، أما المغرب فإن محمد السادس هو مثل أبيه الحسن الثاني خاضع للنفوذ السياسي الإنجليزي، وقد تناقلت وسائل الإعلام أنه يتمتع بعلاقات حميمة مع العائلة المالكة في بريطانيا وله علاقات متميزة معها، ولكنه أقل من والده دهاءً وخبرةً في خوض غمار الحياة السياسية، لذلك فإن بريطانيا نصحته أن لا يستمر في السير المتشدد تجاه أمريكا كما كان أبوه، وذلك بسبب غرور وعنجهية المحافظين الجدد في عهد بوش الابن، ولذلك أظهر تفهُّماً لمشروع أمريكا للشرق الأوسط وشمال إفريقيا وبدأ بمظاهر (من الديمقراطية) وكلَّف حزب المعارضة برئاسة الوزارة وصار يظهر بأنه يتبنى ما تقوله أمريكا من الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وسمح بالبحث في جرائم السلطة في العهود السابقة وسمح كذلك بهامش من التعبير في وسائل الإعلام، وعقد اتفاقاً للتبادل التجاري الحر بين الولايات المتحدة والمغرب سيدخل حيز التنفيذ في مطلع آذار المقبل بعدما صادق عليه البرلمان المغربي مطلع السنة الجارية.  وقد أصبحت أمريكا رابع زبون تجاري للمغرب وأول متعامل خارج الاتحاد الأوروبي (1.5 بليون دولار حجم التبادل التجاري) .  وطلب بوش من الكونغرس في 8/2/2005م المصادقة على زيادة حجم الدعم المقدم للمغرب ليصبح (63) مليون دولار بدلاً من (20) مليون التي كانت العام الماضي.

هذا الوضع اللَّـيِّن بالنسبة لأمريكا في الجزائر والمغرب جعل أمريكا تهدىء موضوع الصحراء لأن أمريكا تنظر إلى الصحراء باباً تحاول الدخول منه إلى شمال أفريقيا أكثر من كونه باباً لإقامة الجمهورية الصحراوية.

وهكذا وافقت أمريكا على التراخي في موضوع الاستفتاء، وأن يكون البديل حكماً ذاتياً ثم بعد خمس سنين استفتاء، وقد قدَّم هذا الاقتراح (الحل الثالث أي لا الاستقلال ولا الضم) جيمس بيكر ثم بحجة عدم اتفاق الطرفين، وتحفظات المغرب على الحل الثالث استقال جيمس بيكر في حزيران 2004م وعادت أمور الصحراء هادئةً تراوح مكانها، ولولا لين الموقف من المغرب والجزائر تجاه أمريكا لما انحدر قرار الاستفتاء إلى حكم ذاتي مرحلي ثم استفتاء، ولما استقال جيمس بيكر ولما تراخت أمريكا بالنسبة لنظرتها للصحراء.

ومع ذلك فإن أمريكا لا زالت ممسكة بخيوط مشكلة الصحراء وهي لم تنهها بل هدَّأتها وفق المناخ الجديد في المغرب و الجزائر التي ترى فيه إمكانية الدخول إلى البلدين بالوسائل الاقتصادية والمشاريع السياسية، وستعود لتحريك قضية الصحراء بشدة إن تغيَّر هذا المناخ أو رأت الوسائل الاقتصادية والمشاريع السياسية لا تجعل لها موطن قدم ناجح في البلدين.

هذا من ناحية أمريكا.

أما أوروبا، ونقصد فرنسا وإسبانيا بعد (أثنار) أي في العهد الحالي، فإنها أدركت أن هذه فرصتها لأن تستغل هذا الهدوء وتحاول إنهاء هذه المشكلة بحل (واقعي) تقنع به الجزائر والمغرب، وهو أن يكون هناك حكم ذاتي موسع للصحراويين، وإقناع الصحراويين بأن هذا حل مرحلي يمكنهم التفاهم فيما بعد مع المغرب سياسياً لإيجاد حل كونفدرالي أي اتحاد بين كيانين.  وغرض فرنسا وإسبانيا من ذلك أن تغلق هذا الباب نهائياً لمنع أمريكا من النفاذ منه إلى شمال إفريقيا، كما أن بريطانيا تدعمهم في ذلك بطريق غير مباشر دون أن تكون في الخط الأمامي لأنها ممسكة بعنان عملائها في الشمال الأفريقي (ليبيا وتونس والجزائر والمغرب) وتراقب الأمر عن كثب.

وهكذا فإن فرنسا وإسبانيا تبذلان جهداً كبيراً لاستغلال هذا السكون في مشكلة الصحراء لإنهاء المشكلة:

أما فرنسا فلم تزل تراودها أحلام العودة إلى مجالها القديم في شمال أفريقيا تونس والجزائر والمغرب.  وقد بدأت تخطو على هذا الطريق منذ زمن لكن بخطوات اقتصادية وثقافية لأن الطريق السياسي المباشر كان مغلقاً عليها من بريطانيا وأمريكا، ومن هذه الخطوات:

• أعلن شيراك في زيارته الخاطفة للجزائر لتهنئة بوتفليقة بفوزه في الرئاسة في انتخابات نيسان 2004، أعلن أمام الصحفيين أن فرنسا تسعى إلى توقيع معاهدة شراكة بين البلدين.
• أنهى وفد من المستثمرين الفرنسيين في 11/2/2005م زيارة للجزائر درس خلالها أوجه النشاط الاستثماري الممكنة.
• إنشاء علاقات اقتصادية متميزة مع المغرب حيث تعتبر فرنسا أكبر مستثمر أجنبي في المغرب (بنسبة 13%) تليها إسبانيا وأمريكا والسعودية، بنسبة 4% لكل منها.

وأما إسبانيا فإن لها مصالح في المغرب، ومشاكل معها وبخاصة قضية احتلال (سبتة ومليلة) والجوار البحري في المتوسط والمحيط، وهو مجال اقتصادي ومجال صيد وسياحة...  وهي تتطلع منذ زمن إلى إنهاء مشكلة (سبتة ومليلة) فيعترف المغرب بسيادة قانونية لإسبانيا عليها مع أخذها حكماً ذاتياً.
كما أن هناك خطّاً للغاز لشركة (سونا طراك) الجزائرية يمر بالمغرب ويزود إسبانيا 8 مليون متر مكعب سنوياً.

وهكذا أصبحت فرنسا وإسبانيا تحاولان النفاذ إلى المغرب عند أول فرصة متاحة، وهما يدركان أن تسوية مشكلة الصحراء هي المدخل لهما إلى المغرب ومن ثم إلى الجزائر، كما أن بقاء هذه المشكلة مشتعلةً يعني بقاء المدخل لأمريكا مفتوحاً إلى المنطقة.  وقد ورد أكثر من مرة على لسان المسئولين الفرنسيين كونُ مشكلة الصحراء مدخلاً للنفوذ الأمريكي إلى منطقة الشمال الإفريقي.  وقد أدركت فرنسا ذلك عندما كان الحزب الشعبي بقيادة أثنار، المعروف بتحالفه مع أمريكا، حاكماً في إسبانيا.  فقد كان يناوئ فرنسا عند تدخلها في شأن الموقف من نزاع الصحراء.  إلا أن التحول الذي طرأ على الحكم في إسبانيا بعد مجيء الحزب الاشتراكي بقيادة ثاباتيرو (سبتيرو) المعروف بتوجهه الأوروبي، وبخاصة الفرنسي، قد أوجد فرصةً سانحةً لفرنسا بالتعاون مع إسبانيا للقيام بدور ما في مواجهة النفوذ الأمريكي في منطقة الشمال الإفريقي عن طريق إيجاد حل مناسب لمشكلة الصحراء.  وقد سبق لشيراك أن أكد مراتٍ عدةً أن بلاده تدعم الحل السياسي لنـزاع الصحراء في سياق إيجاد علاقات حسنة بين المغرب والجزائر بديلاً عن المنافسة والاختلاف السياسي.

وأما بريطانيا فما دام الصراع هو بين فرنسا وإسبانيا وأمريكا، دون أن يصل إلى مستوى إلحاق الضرر بعملائها أو مصالحها، ما دام الأمر كذلك فهو يتماشى مع سياسة بريطانيا الحالية حيث تأمل إضعاف الأطراف الثلاثة أثناء تصارعها.

ولذلك يمكن القول إن فرنسا وإسبانيا (وبريطانيا) تحاول بلورة سياسة جديدة لشمال إفريقيا نظراً للطوفان الأمريكي القادم، تضمن أو تحاول بها منع النفوذ الأمريكي، ومشكلة الصحراء الغربية هي منفذ أمريكا، لذلك فان أوروبا ترى التخلص من هذا العائق بحلِّه بعيداً عن أمريكا.


2 - في هذا السياق جاءت زيارة ملك إسبانيا للمغرب في 17/1/2005م.  فقد كان الغرض الأساس هو المساعدة في إيجاد تسوية للصحراء، فتضرب إسبانيا بذلك عصفورين بحجر واحد، الأول إغلاق منفذ أمريكا إلى الشمال الإفريقي، والثاني يتعلق بحل نهائي لموضوع (سبتة ومليلة) فهي ستعرض الحل الأقرب لإرضاء المغرب بأن يكون حكماً ذاتياً للصحراء تحت السيادة المغربية تقايض إسبانيا به موضوع سبتة ومليلة ليكون حلها حكماً ذاتياً تحت السيادة الإسبانية بشكل نهائي كما أوردت ذلك صحيفة بعض وسائل الإعلام في 23/1/2005.  وقد كان واضحاً هذا الغرض من الأعمال التي أعلنت مع الزيارة، قبلها وبعدها، فقد أرسلت إسبانيا وزير خارجيتها موراتينوس إلى الجزائر قبل زيارة الملك (أوائل هذا العام)، وسيذهب رئيس وزراء إسبانيا إلى الجزائر في الشهر القادم.  هذا بالإضافة إلى ما ورد على لسان ملك المغرب وملك إسبانيا في خطاباتهما الرسمية أثناء الزيارة حول مشكلة الصحراء، على الرغم من أن هذا الغرض قد غلف ببحث العلاقات الثنائية وتسوية الأوضاع التي نتجت عن نزاعهما السابق حول جزيرة ليلى المقابلة لشواطئ المغرب، بالإضافة إلى العلاقات الاقتصادية حيث إسبانيا تأتي في المرتبة الثانية بعد فرنسا في هذا المجال، وكذلك إعادة بحث فكرة النفق البحري بين المغرب وإسبانيا عبر مضيق جبل طارق.

إن متابعة الزيارة والتصريحات خلالها تدل على أن هذا هو الغرض الأساس.  فقد أعلن الملك محمد السادس التزام بلاده التعاون مع الأمم المتحدة لإنهاء نزاع الصحراء عبر إيجاد حل سياسي تفاوضي ومتفق عليه ونهائي، قال ذلك في مأدبة العشاء التي أقامها لملك إسبانيا أثناء زيارته للمغرب في 17/1/2005، وأضاف أن الحل السياسي يهدف إلى تمكين سكان الأقاليم الجنوبية (أي الأرض الصحراوية) من التدبير الذاتي لشئونهم الجهوية في إطار احترام السيادة والوحدة الترابية والوطنية للمغرب.

وقد رد العاهل الإسباني قائلاً (إن بلاده عازمة على إيجاد حل عادل ونهائي ومقبول من الأطراف كافةً في إطار قرارات الأمم المتحدة) ثم أضاف مشيراً إلى مسألة الصحراء الغربية (إن بلاده مهتمة خصوصاً في تقريب وجهات النظر بهدف التوصل إلى حل توافقي وعادل ونهائي بالتفاوض بين ممثلي الأطراف المعنية في إطار الشرعية الدولية وجهود الأمم المتحدة).  لاحظ تكرار كلمة (نهائي) في خطاب الملك المغربي والملك الإسباني.

ومن ناحية أخرى فقد أثنى زعيم جبهة بوليساريو محمد عبد العزيز على الجهود التي يقوم به العاهل الإسباني الذي يزور المغرب حالياً وذكرت وكالة الأنباء الصحراوية أن زعيم بوليساريو أبلغ كارلوس أن في إمكانه كملك إسبانيا أن يستغل زيارته للمغرب ليلعب دوراً مهماً لحل النـزاع بين المغرب والجبهة الصحراوية.

كما أن الرئيس المكسيكي قبل زيارته للمغرب في 11/2/2005م مر على مدريد وبعد المغرب زار الجزائر، وانتقال الرئيس المكسيكي من إسبانيا إلى المغرب ثم إلى الجزائر يدل على أن زيارة الرئيس المكسيكي تتضمن محاولةً من إسبانيا لتوسيط المكسيك في الموضوع وبخاصة وأن المكسيك تعترف بالجمهورية الصحراوية.  وكان الرئيس المكسيكي أجرى في اليوم الأول لزيارته محادثاتٍ سياسيةً مع العاهل المغربي تركزت على تطور نزاع الصحراء والوضع في منطقة شمال إفريقيا والعلاقات المغربية الجزائرية والبحث في حل سياسي لقضية الصحراء كما ورد ذلك في وسائل الإعلام (الحياة) في 13/2/2005م.

من كل ذلك يتبين أن الغرض الأساس من زيارة الملك الإسباني هو محاولة حل مشكلة الصحراء في سياق الخط الفرنسي الإسباني الهادف إلى إغلاق هذا الباب الذي يشكل المدخل للنفوذ الأمريكي في شمال أمريكا.

وهذا لا يعني النجاح لأوروبا في صراعها مع أمريكا في شمال أفريقيا إلا إذا استطاعت أن تنهي مشكلة الصحراء، وهذا ليس أمراً سهلاً لأن خيوط المشكلة أو جزءً كبيراً من هذه الخيوط لازال في يد أمريكا والأمم المتحدة أي أمربكا كذلك.

كل ما هنالك يمكن القول أن الصراع الأوروبي الأمريكي قد عاد إلى السخونة في شمال أفريقيا وهو من دلائل هبوط أمريكا التدريجي عن عرش التفرد في السياسة الدولية.

3 - أما موضوع الحكم في المغرب فهو في يد الملك ولَم تفلت الأمور من يده، لكن ما لوحظ من انفتاح و(حرية) تعبير، وتحريك لقضايا الجرائم الأمنية السابقة، كل ذلك من مقتضيات السير مع مشروع أمريكا للشرق الأوسط وشمال أفريقيا تثبيتاً لحكم الملك وليس لإضعافه، وهو بنصائح بريطانيا لتثبيت نفوذها في المغرب والحفاظ على الملك، تماماً مثل نصائح بريطانيا للقذافي بالخضوع إلى أمريكا في موضوع أسلحته وتسليم هذه الأسلحة لأمريكا، كل ذلك للحفاظ على القذافي وإبعاده عن خطر تحرك أمريكا ضده.

لذلك فقد قام الملك منذ مجيئه ببعض الأعمال على نسق الظواهر (الديمقراطية) في الغرب فكلَّف زعيم الاتحاد الاشتراكي السابق اليوسفي برئاسة الوزارة، في 1998م وهو كان محسوباً على المعارضة، ثم خفف الضغط على الناس ولكن بطريقة محسوبة تثبِّت حكمه لا تزعزعه.  وضمن هذا السياق يفهم ما جاء في خطاب الملك في افتتاح البرلمان عندما دعا إلى بناء أقطاب سياسية محورية موزعة بين الغالبية والمعارضة والوسط، ما جعل (بوش) يثني على المغرب (الديمقراطي) في أكثر من مناسبة آخرها اليوم في خطابه في بروكسل حيث ذكر (ديمقراطية) المغرب أثناء حديثه وأنها من الدول السائرة قدماً في هذا الطريق.  ولذلك فما يُلاحَظ من ظواهر (ديمقراطية) في المغرب هو ضمن هذا السياق وليس من باب إفلات الأمور من يد الملك.

11 من محرم الحرام 1426هـ

 
22/02/2005م
 



إقرأ أيضا:-
جواب سؤال : حول العطور التي تحتوي كحولاً
ج س - حول الأزمات ومصير اليورو والاتحاد الأوروبي
ج س: استقالة عسكر تركيا، وتفجيرات أوسلوا
ج س : اتفاق وثيقة الدوحة للسلام في دارفور
ج س تواطؤ النظام الباكستاني في اغتيال ابن لادن