Aya

1953

HT logo
  adv search
new email def main site arabic
info office misc wilayat books tahleelat lflts  
                 
 
:::

بسم الله الرحمن الرحيم

(سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير
على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك “فقهي”)
جواب سؤال
من هم أهل الفترة؟

Adel Abu Ahmad

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... شيخنا وأميرنا الغالي حفظكم الله من كل شر ومكن لكم في الأرض،
يوجد لدينا فهم أن أهل الفترة ناجون من عذاب الله يوم القيامة... وهم الذين لم يُرسَل إليهم رسول لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، ولكن توجد أحاديث شريفة تفيد أن العرب في الجاهلية وقبل بعثة محمد صلى الله عليه وسـلم بأنهم كفار وأنهم في النار... ففي صحيح مسلم: (أن رجلا سأل الرسول صلى الله عليه وسـلم: أين أبي؟ فقال: أبوك في النار. فحزن الرجل. فقال له صلى الله عليه وسـلم: أبي وأبوك في النار). ويوجد أكثر من شاهد على هذا الأمر...
والسؤال: كيف يمكن التوفيق بين الأمرين؟ وجزاكم الله خيرا

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
1- سؤالك هو عما ورد في الشخصية الإسلامية الجزء الثالث تحت عنوان “لا حكم قبل ورود الشرع”:
(...الأشياء والأفعال لا يجوز أن تعطى حكماً إلا إذا كان هناك دليل شرعي على هذا الحكم، إذ لا حكم للأشياء ولأفعال العقلاء قبل ورود الشرع، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ولقوله سبحانه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ولأن الحكم لا يثبت إلا بأحد اثنين: إما الشرع، وإما العقل. أما العقل فلا محل له هنا؛ لأن القضية قضية إيجاب وتحريم، والعقل لا يمكن أن يوجب أو يحرم، وليس ذلك منوطاً به، وإنما هو منوط بالشرع؛ فتوقف الحكم على الشرع... ولا معنى لذلك إلا نفي الحكم نفياً باتاً عن الناس قبل أن يبعث الله لهم رسولاً، ومن هنا كان أهل الفترة ناجين، وهم الذين عاشوا بين ضياع رسالة وبعث رسالة، ويكون حكمهم حكم الذين لم تبلغهم رسالة، وذلك كمن عاشوا قبل بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسـلم...) انتهى.

وهذا يعني أن الناس الذين كانوا بين بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام وبين بعثة من قبله من الأنبياء (‎أي أهل الفترة) ناجون لأنهم لم يُبلَّغوا رسالة، هذا إذا كانوا مشركين أو لم يتبعوا رسالة. أما أهل الكتاب فقد اتبعوا رسالة ثم حرفوها، ‎فهم قد اتبعوا رسولا فبُلِّغوا رسالة، ثم حرفوها، ولذلك فهم لا يعتبرون من أهل الفترة، لأن أهل الفترة هم الذين لم يتبعوا رسالة رسول... وعليه فأهل الكتاب لا يعتبرون من أهل الفترة... وكذلك فإن كفار الغرب لا يعتبرون من أهل الفترة فقد بلغهم الإسلام، ‎فكيف بالكفار الذين يعيشون بين المسلمين؟ فأهل الفترة هم الذين لم تبلغهم الدعوة، ‎وما عداهم فليسوا من أهل الفترة.

2- أما ما ورد من أحاديث تدل على أن عرب الجاهلية الذين ماتوا قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسـلم يُعذَّبون... ومن ثم يتناقض هذا مع مدلول الآية الكريمة بأن أهل الفترة ناجون... فإن هذه الأحاديث تدرس حسب الأصول، فإن أمكن الجمع فهو المعتمد، وإلا عُمد إلى الترجيح أو رُدَّ الحديث دراية... وبناء عليه نستعرض هذه الأحاديث على النحو التالي:

أ- أخرج مسلم في صحيحه حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: فِي النَّارِ. فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ فَقَالَ: إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ».

ب- وأخرج ابن ماجه في سننه عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ “أي عبد الله بن عمر” قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسـلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي كَانَ يَصِلُ الرَّحِمَ وَكَانَ وَكَانَ فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي النَّارِ. قَالَ: فَكَأَنَّهُ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيْنَ أَبُوكَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسـلم: حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ مُشْرِكٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ» قال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. وفي الزوائد إسناد هذا الحديث صحيح.

وجاء في حاشية السندي على سنن ابن ماجه 1/ 476، 477 عن حديث ابن ماجه أعلاه ما يلي:
(قَالَ السُّيُوطِيُّ وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا “أي إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ في حديث مسلم”، ذكرها حَمَّادُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ وَقَدْ خَالَفَهُ مَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ فَلَمْ يَذْكُرْهُ وَلَكِنْ قَالَ: إِذَا مَرَرْت بِقَبْرِ كَافِرٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ، وَلَا دَلَالَةَ فِي هَذَا اللَّفْظِ عَلَى حَالِ الْوَالِدِ وَهُوَ أَثْبَتُ فَإِنَّ مَعْمَرًا أَثْبَتُ مِنْ حَمَّادٍ فَإِنَّ حَمَّادًا تُكُلِّمَ فِي حِفْظِهِ وَوَقَعَ فِي أَحَادِيثِهِ مَنَاكِيرُ وَلَمْ يُخَرِّجْ لَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَا خَرَّجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي الْأُصُولِ إِلَّا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ ثَابِتٍ وَأَمَّا مَعْمَرٌ فَلَمْ يُتَكَلَّمْ فِي حِفْظِهِ وَلَا اسْتُنْكِرَ شَيْءٌ مِنْ حَدِيثِهِ وَاتَّفَقَ عَلَى التَّخْرِيجِ لَهُ الشَّيْخَانِ فَكَانَ لَفْظُهُ أَثْبَتُ. ثُمَّ وَجَدْنَا الْحَدِيثَ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بِمِثْلِ لَفْظِ مَعْمَرٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَكَذَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فَتَعَيَّنَ الِاعْتِمَادُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ وَتَقْدِيمُهُ عَلَى غَيْرِهِ فَعُلِمَ أَنَّ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ بِالْمَعْنَى عَلَى حَسَبِ فَهْمِهِ... وَقَدْ أَطْبَقَ أَئِمَّتُنَا الشَّافِعِيَّةُ وَالْأَشْعَرِيَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ لَا يُعَذَّبُ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ [الإسراء: 15] الْآيَةَ... وَاللَّهُ أَعْلَمُ.) انتهى

ج- أخرج الطبراني في المعجم الكبير عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرِ بن سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ “أي سعد بن أبي وقاص”، قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسـلم، فَقَالَ: إِنَّ أَبِي كَانَ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَكَانَ وَكَانَ، فَأَيْنَ هُو؟ قَالَ: فِي النَّارِ، فَكَأنَّ الأَعْرَابِيَّ وُجِدَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيْنَ أَبُوكَ؟، قَالَ: حَيْثُ مَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ كَافِرٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ» قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح.

3- وبالجمع بين هذه الأدلة يتبين ما يلي:
- الآية تفيد أن أهل الفترة ناجون لا يعذبون... ولذلك فلا يُعتمد أي حديث يناقضها إن لم يمكن الجمع بينهما...
- ويمكن الجمع بينهما بما قاله السيوطي عن حديث مسلم كما جاء في حاشية السندي على سنن ابن ماجه بأن الرسول صلى الله عليه وسـلم على الأرجح لم يجب السائل «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ» بل أجابه «إِذَا مَرَرْت بِقَبْرِ كَافِرٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ» ويرجِّح ذلك ما جاء في حديث الطبراني عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وحديث ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما.

4- والخلاصة أن الجواب عن الحكم في أهل الفترة هو أنهم ناجون... والذي أرجحه من باب الجمع بين الأدلة هو ما قاله السيوطي: (قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْكِتَابِ هَذَا أَيْ سُنَنُ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ مَحَاسِنِ الْأَجْوِبَةِ أَنَّهُ لَمَا وَجَدَ الْأَعْرَابِيَّ فِي نَفْسِهِ لَاطَفَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسـلم وَعَدَلَ إِلَى جَوَابٍ عَامٍّ فِي كُلٍّ مُشْرِكٍ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ إِلَى الْجَوَابِ عَنْ وَالِدِ الرسول صلى الله عليه وسـلم بنفي وَلَا إِثْبَاتٍ)... وذلك كما جاء في حديث الطبراني «حَيْثُ مَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ كَافِرٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ» وحديث ابن ماجه «حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ مُشْرِكٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ» وهما حديثان صحيحان. هذا ما أراه في الجمع بين الأدلة مع التأكيد على أن أي تعارض بين الآية والحديث إذا تعذر الجمع فإن الحكم هو أن يُردَّ الحديث دراية وتُعتمد الآية كما هو معروف في الأصول. والله أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على المكتب المركزي
رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على الفيسبوك
رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على غوغل بلس

 

18 رمضان 1439هـ

 
03/06/2018م
 



إقرأ أيضا:-