Aya

1953

HT logo
  adv search
new email def main site arabic
info office misc wilayat books tahleelat lflts  
                 
 
:::

بسم الله الرحمن الرحيم

أجوبة أسئلة حول
ارتفاع أسعار النفط | الملف النووي الإيراني

السؤال الأول:ـ
منذ بضعة أشهر وأسعار النفط في ارتفاع، وهي حتى الآن تقارب 70 دولاراً للبرميل.  إننا نعلم أن ارتفاع الأسعار يعتمد على خلل في توازن العرض مع الطلب، وأنه بمعالجة هذا الخلل تعود الأسعار للانخفاض في فترة معقولة.  فمثلاً عند حرب  1973 مع دولة يهود، وقطع النفط من الدول العربية المنتجة ارتفعت الأسعار ولكنها بعد نحو شهرين تراجعت، وهكذا خلال حرب الخليج الأولى وبخاصة 1985 ثم عادت وتراجعت خلال بضعة شهور.
أما في الارتفاع الحالي فرغم تصريحات بعض المسئولين في أوبك بأن لا نقص في الإمدادات للأسواق إلا أن الأسعار بقيت مرتفعةً.
فما سبب ذلك؟  وهل يتوقع تصاعد الأسعار إلى (100) كما تردد في بعض وسائل الإعلام؟ ثم هل هناك جهات أخرى غير أوبك تتحكم في العرض وبالتالي في الأسعار؟  وإن كانت فمن هي تلك الجهات؟

الجواب:ـ
صحيح أن العرض والطلب يؤثران في الأسعار، ولكن هذا فيما لو حُيِّدَتْ العوامل الأخرى، غير أن العالم اليوم تتحكم فيه سياسة الدول الرأسمالية الكبرى، وجشع شركاتها، وهذان العاملان يؤثران كذلك بل قد يفوقان مجرد العرض في بعض الأحيان، وليست صدفة أن تجتمع هذه العوامل الثلاثة في أزمة النفط الحالية، وتضغط معاً على إيجاد هذه الطفرة من الأسعار، حيث إن كل واحدة تقود إلى التالية:

العامل الأول:  اختلال العرض والطلب، فقد أثرت فيه الأمور التالية:

1 -  الطلب العالمي للنفط
حسب ما أوردته وكالة الطاقة العالمية (IEA) كان احتياج العالم للنفط في الربع الأول من عام 2006 يعادل 85.4 مليون برميل من النفط يومياً. وفي الفترة نفسها من عام 2001 كان احتياج العالم للنفط يعادل 75 مليون برميل يومياً، فخلال خمسة أعوام قفز الاحتياج العالمي للنفط 13.9%. وقد كان الاستهلاك الأكبر من قبل اقتصاد كل من الصين، الهند، اليابان ومؤخراً اقتصاد الولايات المتحدة الذي نَشِط. فالصين وحدها مسئولة عن 4% من ارتفاع الطلب العالمي للنفط. وبعد أخذ المناحي الحالية لاستهلاك النفط أقرت وكالة الطاقة العالمية (IEA) أن الطلب العالمي للنفط في عام 2025 سيكون 119 مليون برميل يومياً. كل هذا يعني أن الطلب العالمي للنفط في ارتفاع متواصل ما يؤدي إلى ارتفاع متواصل في سعر النفط.

2 -  الاختلال في إمدادات النفط
لعدة أسباب مختلفة، لم يكن باستطاعة الإمداد العالمي للنفط الخام أن يتماشى مع الطلب. فيما يلي توضيح لبعض الأسباب الرئيسية لتوقف إمدادات النفط:

أ. الكوارث الطبيعية:
كان لإعصار كاترينا أثر مخرِّب على إنتاج النفط في الولايات المتحدة، وحسب ما أوردته حكومة الولايات المتحدة استطاع إعصار كاترينا إغلاق 92% من إنتاج الخليج للنفط و83% من إنتاج الخليج للغاز الطبيعي، فكان على بوش أن يخرج 30 مليون برميل من النفط الخام من الاحتياطي الأميركي الاستراتيجي للنفط. إلا أن ذلك لم يكن كافياً لتخفيف سعر النفط الخام في السوق العالمي. ومع الاقتراب السريع لموسم الإعصار، فإن احتمال حدوث أزمة أخرى في إنتاج النفط على شاطئ الخليج هو احتمال ممكن، وبالتالي ستؤدي إلى رفع الأسعار بشكل صاروخي. يقول فيرليغر (verleger) مستشار في الطاقة وشخص ذو رتبة عالية في مؤسسة الاقتصاد العالمي: “إذا كان لدينا موسم إعصار شديد فمن المحتمل جداً، أن نشهد خسارة جولة أخرى من إنتاج النفط، كالتي شهدناها العام المنصرم”.

ب. سرعة التقلب في الشرق الأوسط:
قبل حرب العراق عام 2003 تنبأ بعض المحللين بتدفق 4 مليون برميل يومياً من نفط العراق الخام إلى السوق العالمي، وأن سعر برميل النفط الخام سينخفض10%. إلا أن أسعار النفط الخام بقيت عالية بالرغم من أن الولايات المتحدة قد أنفقت 2 بليون دولار لتطوير البنية التحتية لنفط العراق. إن العراق لايزال يضخ حوالي 600 ألف برميل يومياً أقل من المستويات التي كانت بداية عام 2003، قبل الغزو الأميركي للإطاحة بصدام حسين. لقد أثَّرت حركة المقاومة العراقية على تدفق النفط. كما أن التفجير شبه اليومي لأنابيب النفط قلَّل التصدير من الحقول الشمالية للعراق في كركوك، وأعاق المحاولات لتحديث الحقول الجنوبية الأكبر.
كما أن أسعار النفط قد تأثرت بمخاوف مضاعفات الأزمة الإيرانية النووية، وإمكانية التشويش الحاد على 15 مليون برميل من النفط تعبر يومياً عبر مضيق هرمز، كل ذلك أدى إلى اضطراب أسواق النفط.

ج. توترات سياسية أخرى:
الخوف على نيجيريا التي تعتبر سابع أكبر مصدر عالمي للنفط وخامس أكبر مصدر لنفط الولايات المتحدة المستورد، يجعل أسواق النفط بالغة الحساسية باستمرار. فهناك صراع في منطقة نيجيريا –الغنية بالنفط- من وقت لآخر: التخريب المتعمد لخطوط النفط، اختطاف وقتل العمال الأجانب، والاقتتال بين الحركة التي تنادي بتحرير دلتا النايجر (MEND) والقوات الحكومية،كل ذلك قد عرقل إمكانيات إنتاج النفط في نيجيريا بالشكل المعتاد. إن بعض التقديرات تقول إن حوالي 25% من الطاقة الانتاجية للنفط الخام في نيجيريا قد تم توقيفها.
ثم إن أميركا اللاتينية تعد منطقة نزاع أخرى لأسواق النفط، فإن دولاً كفنـزويلا وبوليفيا قد نجحت في إعادة تأميم أجزاء من صناعة النفط والغاز، وهذا سيؤثر في الأسعار.

د -  نقص مخزون إمداد النفط العالمي:
يعد النفط كغيره من الهيدروكربونات مصدراً محدوداً، وقد استغل الإنسان هذه المصادر لأكثر من مائة عام. وقد دلت دراسات عديدة من قبل علماء بارزين على أن المخزون العالمي للنفط على وشك أن يصل حد الانحسار من الآن وخلال الخمس عشرة سنة القادمة. ويُعَرَّف انحسار النفط؛ بأنه النقطة التي يكون مجموع الإنتاج العالمي للنفط فيها وجميع الاحتياطي المعروف لا يفي بالطلب العالمي. وبمعنى آخر، يصبح النفط أقل وجوداً واستخراجه أكثر كلفة. في عام 1970 انحسر إنتاج النفط في الولايات المتحدة، واضطرت أميركا لاستيراد النفط الخام لكي تفي بالطلب المحلي. أما نفط بريطانيا في بحر الشمال فقد انحسر في عام 1999 ومازال يهبط بمعدل 11% سنوياً. يذكر أن عدد حقول النفط الرئيسية المكتشفة حديثاً حول العالم وصل إلى الصفر وذلك لأول مرة في عام 2003. لقد كانت الحكومات الغربية على علم بانحسار النفط وتأثير ذلك على الاقتصاد العالمي لفترة من الزمن، إلا أنها أبقت - متعمدة - شعوبها في الظلام. وفي شهر أذار/مارس 2001 أثناء انعقاد قمة الطاقة القومية قال أبراهام إسبنسر (سكرتير بوش للطاقة): “ستواجه أميركا أزمة حقيقية في مخزون الطاقة خلال العقدين القادمين، إن الفشل بمواجهة هذا التحدي سوف يهدد ازدهار الاقتصاد، ويؤثر في الأمن القومي، وسيغير النهج الذي نتبعه في حياتنا”. هذه التعليقات تعكس خطاب ديك تشيني لمؤسسة البترول العالمية في لندن أواخر عام 1999، حيث قال آنذاك: “خلال السنوات القادمة سيكون هنالك نمو سنوي بمعدل 2% للطلب العالمي للنفط، بالإضافة إلى (وبتحفظ) 3% انخفاض طبيعي في الإنتاج من الاحتياطي الحالي. هذا يعني أنه بحلول عام 2010 سنحتاج لطلب 50 مليون برميل إضافي يومياً”. وهذا يوازي أكثر من 6 أضعاف حجم إنتاج السعودية الآن.
في أيلول/سبتمبر 2001 صدرت مذكرة من قبل مركز تحليل الاستنزاف (Depletion Analysis Center) ذكر فيها: “يواجه العالم صعوبات حادة في مخزون الهيدروكربون، وتواجه إمدادات النفط العالمية حالياً مأزقاً سياسياً... وإذا ما تم الاستثمار الموسع في إنتاج الشرق الأوسط فقد يؤدي إلى رفع كمية الإنتاج، ولكنه سيكون لدرجة محدودة، الاستثناء الوحيد هو العراق...”، كما وقد تنبأت المذكرة بانحسار إمداد النفط، فقد ذكرت بأن “التقديرات المثلى لانحسار النفط ستكون من 5-10 سنوات من الآن”. كما وأن التقرير تنبأ بانحسار الغاز الطبيعي أيضاً بعد 20 سنة من الآن. وفي أيار/مايو 2003 وخلال مؤتمر حول موضوع انحسار النفط أخبر ماثيو سيمونز -خبير أميركي في الطاقة، ومستشار لبوش وتشيني- الحضور: “ماذا يعني الانحسار ومتى يحصل؟” ومن ثم أجاب على سؤاله بالقول: “مما يثير القلق أن الانحسار في متناول اليد وليس على مدى سنوات من الآن...”.

العامل الثاني:  لقد أدَّى العامل الأول ((اختلال العرض)) إلى العامل الثاني وهو تفكير تلك الدول بالبحث عن بدائل قابلة للتداول تجارياً، وحتى تكون قابلة فلا بد من رفع أسعار النفط الرخيصة نسبياً في مقابل تكلفة البدائل العالية، ليصبح بحث البدائل مقبولاً.
وقد بدئ التفكير في بحث البدائل منذ قطع النفط العربي في حرب 1973، ولكن ذلك التفكير مرَّ مرّاً عابراً لأن الدول الكبرى وأمريكا بالذات كانت في يدها خطوط الحل فاستطاعت تسوية الأمور بعقد اتفاقية كامب دافيد وتهدئة العرب وإعادة الأمور إلى مجاريها وانسياب النفط الرّخيص من جديد.
غير أنها أصبحت تُبحث جدياً منذ خطاب بوش لحالة الاتحاد في 1/2/2006 حيث أراد بوش أن يوجد مصادر بديلة بحيث لا يكون كل اعتماد أمريكا على بترول مستورد، حتى إذا ما حدثت ظروف سياسية على غير ما تشتهي أمريكا، أو حدثت أوضاع غير مستقرة في تلك البلدان المصدرة للنفط أو ظهرت دول معادية لأمريكا في تلك المناطق...، يكون لدى أمريكا مصادر أخرى إذا أضيفت إلى مخزون أمريكا النفطي الاحتياطي تتمكن أمريكا من السير في عيشها المعتاد دون أن يلحقها ضرر بسبب نقص الاستيراد.
إن الولايات المتحدة الأمريكية تدرك أنها لا تستطيع الاستغناء عن الاستيراد نهائياً، لأن المصادر البديلة لا تكفي سواء أكانت تنقيباتٍ جديدةً قي الولايات المتحدة أم استعمال طاقةٍ نتاجِ مواد غير النفط، وتقاريرها نفسها تقول ذلك:

1 -  تفيد آخر إحصاءات نشرتها وزارة الطاقة الأميركية في يناير (كانون الثاني) الماضي أن الدول الرئيسية المصدرة للنفط إلى الولايات المتحدة هي كندا والمكسيك والسعودية ونيجيريا وفنزويلا على التوالي. وتؤمن هذه الدول الخمس67 في المائة من واردات النفط الأميركية. لكن توقعات إدارة معلومات الطاقة الأميركية تشير إلى أن برميلا بين كل أربعة براميل من النفط تنتج في العالم في 2025 سوف تأتي من الشرق الأوسط وهو ما سيجعل من الصعب على الولايات المتحدة أن تتجنب المورِّدين هناك. إلا أنها تريد أن توجد بدائل تتحرك بها، أي ليس مصدراً واحداً.

2 -  يقول بوش في خطابه المشار إليه:
(إن الولايات المتحدة تدمن النفط، ودعا إلى الاستغناء عن ثلاثة أرباع نفط الشرق الأوسط المستورد خلال عشرين سنة. وقال بوش، الذي ربط بين تحقيق أهداف أميركا الاستراتيجية في العالم وبين النفط، «نحن نواجه مشكلة جادة: أميركا تدمن النفط الذي تستورده من مناطق غير مستقرة». وأضاف إن «أفضل وسيلة للتخلص من هذا الإدمان هي التكنولوجيا». ولهذا قال انه يأمل في ان تقدر الولايات المتحدة، إذا فعلت ذلك، على «الاستغناء عن نسبة 75 في المائة من صادرات النفط من الشرق الأوسط بحلول سنة 2025». وأشار بوش إلى أن الولايات المتحدة صرفت، خلال الخمس سنوات الماضية، عشرة بلايين دولار لتطوير بدائل طاقة نظيفة ورخيصة ويمكن الاعتماد عليها. وأعلن انه ينوي الاستمرار في هذه الجهود، وسمى ذلك «مبادرة الطاقة المتطورة»، لزيادة أبحاث ومبادرات الطاقة البديلة (التي تشرف عليها وزارة الطاقة) بنسبة 22 في المائة.  وواضح منها أن بوش يقرر أن أقصى ما يمكن أن يستغنوا عنه في الشرق الأوسط هو 75% سنة 2025.
ووعد بوش الأميركيين بأن هذه الخطوات، وغيرها، «ستجعلنا نودع إلى الأبد اعتمادنا على نفط الشرق الأوسط». واصدر البيت الأبيض، بعد خطاب بوش، تقريرا مفصلا أوضح أن «مبادرة الطاقة المتطورة» تتضمن مبادرات فرعية، مثل:

أ -  «مبادرة ابحاث الفحم» التي سيرصد لها بوش بليوني دولار خلال العشر سنوات القادمة لتطوير الاستفادة من الفحم. يمد الفحم الأميركيين بأكثر من نصف حاجتهم من الكهرباء، وسيكفيهم مخزونه لأكثر من مائتي سنة.
ب -  «مبادرة الأجيال القادمة» التي سيرصد لها بوش أكثر من خمسين مليون دولار في ميزانية السنة القادمة، وتهدف إلى مشاركة بين القطاعين العام والخاص.
ج -  «مبادرة أميركا الشمسية» التي سيرصد لها بوش مائة وخمسين مليون دولار في ميزانية السنة القادمة، لتطوير خلايا شمسية تمد المناطق الريفية بالطاقة وتصبح جزءا من مواد بناء المنازل «لينتج كل منزل طاقة أكثر مما يستهلك».
د -  «مبادرة طاقة السيارات» التي تشمل مبادرات فرعية، مثل: صناعة سيارات تستهلك طاقة اقل، وتقليل اعتماد السيارات على النفط، وتطوير الهيدروجين كطاقة للسيارات.
وقد تطابق تحذير بوش من إدمان النفط مع تقرير أصدره أخيرا معهد البترول الأميركي في واشنطن، حيث دعا التقرير الى وضع «استراتيجية طاقة وطنية»، وتنفيذها. وقال إن الهدف من هذه الاستراتيجية يجب أن «يضمن تدفئة منازلنا في الشتاء، وتبريدها في الصيف، وأداء أعمالنا، ودفع مصانعنا، وذهابنا إلى حيث نريد، وتوفير طاقة لجنودنا ورجال الأمن».
وكان بوش قد قال في خطابه “حالة الاتحاد” أيضا «الطريقة المثلى لإنهاء تبعيتنا هي التكنولوجيا. أنفقنا حوالي عشرة مليارات دولار منذ 2001 لتطوير مصادر للطاقة أنظف وارخص ثمنا وأكثر سلامة ونحن على عتبة تقدم استثنائي».  ثم كان بيت القصيد عندما قال: «الاحتفاظ بقدرة أميركا على المنافسة يتطلب طاقة رخيصة الثمن».  وكيف تكون مصادر الطاقة البديلة رخيصة الثمن إن لم تكن أسعار النفط المستورد عاليةً جداً؟
وهكذا فإن استعمال المصادر البديلة من غير النفط أو التنقيب المكلف عن النفط في الأراضي الأمريكية، فإن كل هذا لا يكون ذا جدوى اقتصادية إذا بقي سعر النفط رخيصاً كما كان قبل الأزمة أي نحو 10,75 دولاراً للبرميل في عام 1998 ثم ارتفع قليلاً فأصبح نحو عشرين دولاراً في عام 2002 وراوح حولها حتى حدثت هذه الطفرة في الأسعار.

العامل الثالث:  قادت مخططات بوش للمصادر البديلة وتخفيف الاستيراد، قادت إلى وجوب رفع أسعار النفط الرخيص ليصبح سعراً عالياً مناسباً لتسويق المصادر البديلة.
وهنا جاء دور الشركات البترولية وبخاصة الأمريكية وبدأت مضاربات الأسعار ومناورات الطلب المتزايد على النفط دونما حاجة فعلية للاستهلاك، والتخزين.. حتى أصبحت الأسعار تقفز قفزاتٍ متتاليةً إلى أن جاوزت 75 دولاراً للبرميل.
وقد يقال كيف تتناغم شركات النفط مع مخططات بوش؟ والجواب هو أن التاريخ لم يشهد تداخلا في المصالح بين الإدارة والمجمع النفطي الأمريكي، مثلما شهدته إدارة الرئيس الأمريكي الحالي جورج دبليو بوش، خصوصا في فترة حكمه الأولى، وهو ما لا يعد غريبا، باعتبار أن بوش نفسه رجل نفطي عمل قبل وصوله للبيت الأبيض في مجال التنقيب عن النفط في تكساس، وهو الذي جاء للرئاسة بفضل دعم شركات النفط وشركات السلاح التي تهيمن عليها القوى اليمينية المحافظة في الحزب الجمهوري، لذا لم يكن غريبا أن تضم إدارة بوش الأولى ما يقرب من ستة أعضاء كانوا يعملون، قبل توليهم مناصبهم العامة، في شركات كبيرة للنفط. فعلي سبيل المثال، يعد ديك تشيني - النائب الحالي للرئيس بوش - من أبرز الشخصيات التي جاءت من القطاع النفطي، حيث ترأس شركة هاليبرتون للطاقة حتي عام 2000، وحقق بفضل علاقاته السياسية أرباحا خيالية وصلت إلي نحو 45 مليون دولار.
كما عملت وزيرة الخارجية الأمريكية الحالية كوندوليزا رايس كعضو مجلس إدارة في شركة «شيفرون تكساس»، وتولى دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي منصب نائب رئيس شركة «ويسترن» النفطية، وكان شريكا للرئيس بوش في شركة (إنرون) العملاقة للطاقة التي كانت الأولى في مسلسل انهيارات الشركات الأمريكية بعد الفضائح المالية التي غرقت بها أواخر عام 2001. فضلا عن هذا، فإن - وفقا لبيانات ‘مركز السلامة العامة’ الأمريكي - ما يقرب من مائة شخص من المسئولين في إدارة بوش الأولى وضعوا استثماراتهم التي بلغت 144.6 مليون دولار في قطاع الطاقة، وهو ما دفعهم بالطبع للضغط من أجل أن تفوز شركات الطاقة الأمريكية بنصيب الأسد من البترول العراقي لضمان الحفاظ على استثماراتهم.
وبالرغم من خروج تشيني ورامسفيلد ورايس من مناصبهم ‘النفطية’، إلا أن علاقاتهم بالمجمع النفطي الأمريكي لم تنقطع، بل بدت أكثر متانة، وهو ما تعكسه التسهيلات التي تحصل عليها شركاتهم، سواء في عقود إعادة الإعمار بالعراق وأفغانستان، أو دعمهم لإلغاء تشريعات تتعلق بمسائل البيئة التي قد تتعارض مع مصالح شركاتهم.
وهذا الأمر مدرك محسوس وبخاصة عند الديمقراطيين، فقد علَّق السناتور الديمقراطي عن نيويورك، تشارلز شومر،على خطاب بوش بقوله، إن الرئيس قال مساء أمس إن «الأميركيين يعتمدون كثيرا على النفط. لكن هذه الحكومة هي التي لديها تبعية كبيرة لشركات النفط ولن نحقق استقلاليتنا في مجال الطاقة طالما لم تحطم الحكومة هذه التبعية».
وهكذا فإن هذه الشركات تناغمت مع خطة بوش، وأدت مضارباتها إلى ارتفاع الأسعار، ولكنها كشركات رأسمالية فإن المنفعة هي مركز التنبه عندها ولذلك فهي قد جنت أرباحاً هائلة من وراء ذلك:
فمثلاً أرباح شركة (إكسون موبايل Exxon Mobile) 8 بليون دولار في الربع الأول من هذا العام، وأرباح (كونوكو فيلبس CONOCO PHILLIPSE) 3,3 بليون دولار، وأرباح (أنجلو داتشيل Anglo Dutch Shell) تساوي 6,09 بليون دولار، والبي بي (BP) أرباحها 5.82 بليون دولار...
ويكون بذلك العامل الثاني “البحث عن مصادر بديلة” قد قاد إلى مضاربة الشركات ورفع الأسعار. وهكذا تجمعت هذه العوامل الثلاثة وأدت إلى طفرة الأسعار التي حدثت للبترول.

أما عن بلوغ السعر نهايته أو استمراره في التصعيد، فالراجح هو أنَّ تصاعد الأسعار ستخف وتيرته، وذلك لأن جشع شركات النفط جعلها (توقف) لا توسِّع استثمارها في الصناعة النفطية وبخاصة مصافي التكرير للنفط الخام لإيجاد المشتقات النفطية كالبنزين...، والسبب أنها وجدت المضاربة في الأسعار، والضغط على الطلب الخادع، والإعلام بالتخويف من تطورات الأزمة النووية الإيرانية، وأحداث نيجيريا والعراق... وجدت ذلك أكثر درّاً للربح، لأن الشركات النفطية الكبرى هي المتحكمة في الاستيراد والتوزيع للجهات المختلفة، وحيث ترتفع الأسعار يزداد نصيبها من الأرباح، وذلك لأن غالب النفط، إن لم يكن كله، المتعامل به هو ما تسوقه تلك الشركات.
لقد ترتب على عدم استثمار تلك الشركات الأموالَ في المصافي أن ارتفعت أسعار مشتقات النفط ارتفاعاً جنونياً، وهذا أثَّر في المستهلك الأمريكي وهو كما وصفه بوش (مدمن نفط) فإن أمريكا تستهلك (21 مليون برميل يومياً) من أصل (81) تستهلك عالمياً، وبالتالي ضجَّ الشارع الأمريكي، أي أن سياسة بوش مع الشركات لرفع الأسعار تجاوزت ما خطط له إلى عبء كبير على المستهلك الأمريكي!، ولكن المفاجأة أن بوش لم يضغط على الشركات بالاستثمار في المصافي بل ضغط على السعودية لتستثمر 3.5 بليون دولار في إنشاء مصافي تكرير للنفط في أمريكا بواسطة شركة “السعودية للتكرير” التي تملكها أرامكو السعودية.
أما الشركات فتحجَّجت بقوانين البيئة كما جاء في كنزس ستار (kansas star) في 11/5/2006 نقلاً عن شركة إكسون موبايل من أن قوانين البيئة لمنظمة السلام الخضر ليست هي المانع من بناء مصافٍ جديدة، بل إن المنظمة قد اتُّخِذَت مبرراً لعدم الاستثمار في المصافي، أي أن هذه الشركات لم تستثمر في المصافي عمداً لجني الأرباح السهلة في المضاربات، وقد كانت معتمدةً على حماية إدارة بوش لها من أن تتعرض لأي ضغط يؤذيها، حتى إن الكونجرس لما حاول فرض ضرائب على أرباحها، فإن رئيس معهد النفط الذي يمثل مصالح (400) شركة أمريكية يغطي نشاطها صناعة البترول والغاز الأمريكية بكل مراحلها، قد حذر لجنة الطاقة والتجارة في الكونجرس أثناء جلسة استماع عقدتها اللجنة في 16/5/2006، حذر من فرض ضرائب على أرباح الشركات بحجة أن هذا سيحد من قدرة صناعة النفط على الاستثمار في عمليات التنقيب والإنتاج في أمريكا وأبدى التزامه بوضع حد لمشكلة مصافي التكرير الأمريكية التي تعتبر أحد أهم عوامل ارتفاع الأسعار إذا لم تفرض ضرائب جديدة.  وأوضح رئيس المعهد ريد كافيني أن من شأن «ارتفاع أسعار النفط في الفترة الأخيرة أن يشجع زيادة الإنتاج من الحقول الأمريكية العاملة والبدائل ومصادر الطاقة الواعدة» معتبراً أن زيادة الإنتاج ستخفض الأسعار على المدى الطويل.  وضم صوت «صناعة النفط» إلى إدارة الرئيس بوش مؤكداً للكونجرس «أن أمريكا التي سيزيد استهلاكها من الطاقة أكثر من 40% في 2030 لم تعد تحتمل إغلاق مناطق شاسعة من البلاد ومعظمها من الأراضي التي تمتلكها الحكومة الفدرالية أمام شركات النفط».
وهكذا فإن عدم الاستثمار في توسيع شبكة المصافي قد ضاعف من حدة ارتفاع الأسعار في مشتقات النفط، ما أوجد ضغطاً على إدارة بوش وعلى الشركات المرتبطة معها، وبالتالي فإن المتوقع أن أسعار النفط ستخف وتيرة تصاعدها.

أما أن الدول المنتجة هي أوبك أو هناك غيرها، فإن الدول المنتجة تشمل أوبك ودولاً أخرى غيرها.
فهناك دول منتجة مثل روسيا، أمريكا، بريطانيا...
ولإعطاء فكرة عن حجم الإنتاج فإن الاحصاءات التي أوردتها وكالة الطاقة العالمية (IEA) تدل على أن احتياج العالم للنفط في الربع الأول من عام 2006 يعادل 85،4 مليون برميل يومياً، انتاج أوبك منه نحو 28 مليون برميل يومياً، وانتاج الدول الأخرى غير المسجلة في أوبك الباقي أي نحو 57 مليون برميل يومياً.

والخلاصة: أن ارتفاع أسعار النفط بهذه الدرجة ليس سببه العرض والطلب فحسب بل إن تصريحات بعض مسئولي النفط تفيد ذلك صراحةً، فقد صرح وزير الطاقة الإماراتي محمد الهاملي في 6/5/2006 خلال اجتماعه مع ياسو فوكودا رئيس رابطة الصراحة اليابانية: (إن الارتفاع الحالي في أسعار النفط يرجع بشكل رئيس إلى التطورات الجيوسياسية في بعض مناطق انتاج النفط وللخوف من حدوث نقص في الاصدارات الأمر الذي أدى إلى اشتعال حرب المضاربة والأسعار في السوق) ونحو ذلك صرح النعيمي وزير النفط السعودي في ندوة عقدت في 3/5/2006 في اختتام المؤتمر السنوي الثالث للحوار السعودي الأمريكي الذي نظمه مركز الدراسات الاسترتيجية والدولية في واشنطن.
فالعرض والطلب في هذه الأزمة الحالية ليس هو العامل الأساس، بل إن بحث المصادر البديلة بشكل جدي، وبخاصة بعد خطاب بوش المذكور، كان له الأثر البالغ، حتى إن أوروبا بدأت بحث هذه المسألة منطلقة مما أثارته مشكلة إمداد الغاز الروسي إلى أكرانيا ومن ثم إلى أوروبا، ما جعل الاتحاد الأوروبي يفكر في المصادر البديلة، وكان هذا الموضوع محوراً رئيسياً في قمة رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي التي عقدت في فيينا في 23 آذار الماضي.  وقد أصدرت المفوضية الأوروبية كتاباً سمته (الكتاب الأخضر) لتشجيع المصادر البديلة.
وعليه فإن أسباب هذه الأزمة تتداخل فيها مسألة العرض والطلب، والمصادر البديلة، ومضاربات الأسعار من الشركات، وبخاصة الأمريكية، على النحو الذي بيناه.
وحيث إن ارتفاع الأسعار قد بدأ يضغط بشدة على الشارع الأمريكي، وبؤثر في شعبية الإدارة الأمريكية فإن المتوقع أن تصل أمريكا إلى تفاهم مع الشركات، وبخاصة الضرائب، ومن ثم تخف وتيرة تصاعد الأسعار وينعكس ذلك عالمياً حيث إن الشركات الأمريكية تتحكم في كثير من النفط العالمي مباشرة أو غير مباشرة، أي أن وصول الأسعار إلى (100) ضعيف الاحتمال في المدى المنظور.

————————————————————-

السؤال الثاني:ـ
من المعروف أن إيران كانت تقوم بأبحاث نووية زمن النظام الملكي وكذلك في عهد النظام الجمهوري، وكانت الأمور تسير بهدوء، وحتى عند تعليق تخصيب اليورانيوم سنة 2003، والمباحثات في عهد خاتمي، وقبله في عهد رفسنجاني، كلها تدور بمناقشات ومفاوضات لا تصل حد التصعيد.  لكن في عهد أحمدي نجاد تصاعدت الأزمة وحُوِّلت من الوكالة الدولية إلى مجلس الأمن، وهي لا زالت تتفاعل، فهل يمكن الاستنتاج من ذلك أن تصاعد الأزمة ليس لموضوع الأبحاث النووية بقدر ما هو لأن رئيس الجمهورية أصبح في نظرهم (يُغَنِّي خارج السرب) في إيران، وأن ما كان يقبله من سبقه من حيث التعامل مع السياسة الأمريكية كما حدث أثناء احتلال أفغانستان والعراق، لا يقبله الرئيس الحالي نجاد؟  وبالتالي هل الأزمة متجهة إلى الانفجار، وأن الهجوم الأمريكي على المنشآت النووية في إيران قد اقترب كما تردد في بعض الصحف،  أو أن الهجوم مستبعد وأن الأزمة هي قابلة للحلول الوسط؟  ثم ماذا عن فرض مجلس الأمن عقوباتٍ على إيران كما تهدد بذلك أمريكا؟

الجواب:ـ
حتى تتضح الصورة تماماً نذكر ما يلي:
1 -  في 1968 صدرت معاهدة (NPT) أي حظر انتشار الأسلحة النووية، وفي عام 1970 وقعت إيران على هذه المعاهدة بالإضافة إلى 185 دولة أخرى. وخلال فترة حكم الشاة ابتدأت إيران أنشطتها النووية بالتعاون مع بعض الشركات الألمانية والفرنسية، حيث اشترت إيران 15% من أسهم شركة يوروديف (Euro-Diff) الفرنسية، والتي تعتبر أكبر شركة تخصيب لليورانيوم حول العالم. ولكن بعد الثورة الإيرانية عام 1979 علقت جميع هذه البرامج وبقيت فرنسا محرومة من هذا الحق. قال علي لارجاني: “بعد الثورة الإسلامية في إيران لم تلتزم الشركة الفرنسية يوروديف (Euro-Diff) ولا الشركة الألمانية (Siemens) بالعقود التي وقعوها مع إيران بخصوص الأنشطة النووية.
وفي عام 1995 استأنفت إيران أنشطتها النووية، بعد أن كان الخميني قد أوقف برنامج إيران النووي عام 1979 عقب ثورته. ثم استؤنف البرنامج مجدداً حسب توصية رفسنجاني، وفي يناير 1995 وقعت اتفاقية موسكو للتعاون النووي بين إيران وروسيا.
لقد تم العمل في برنامج إيران النووي عندما كان الإصلاحيون الموالون للغرب بقيادة خاتمي في السلطة في الفترة 1997-2005، حيث حققوا نجاحات متوالية في انتخابات تلك الفترة. إلا أنه وبعد بدء المقاومة في العراق صيف عام 2003 كشف المعارضون الإيرانيون عن بعض الأنشطة النووية وبعض المؤسسات الإيرانية التي كانت مخبأة عن تفتيش الوكالة العالمية للطاقة النووية (IAEA). وبناءاً على ذلك جهز محمد البرادعي رئيس الوكالة النووية تقريراً عن برنامج إيران النووي وقدمه إلى الوكالة. وهكذا ابتدأت أزمة إيران النووية بالتحرك. وعقب ذلك ابتدأت المباحثات حول برنامج إيران النووي بين إيران والثلاثي الأوروبي (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) بالإضافة إلى روسيا والصين. لذا فقد وقعت إيران في عهد خاتمي وبالتحديد في 25 أكتوبر 2003 ما يسمى بالبروتوكول الإضافي للـ (NPT) والذي يسمح بإجراء تفتيش فوري من قبل الوكالة.
كانت بوشهر (Bushahr) ونتانز (Natanz) وأصفهان (Asfhan) ثلاث منشآت مثيرة للجدل، وقد بقي النـزاع حول اثنتين من المنشآت (Natanz) و(Asfhan) دون أي حل، أما النـزاع حول (Bushahr) التي بنيت من قبل روسيا فقد حل النـزاع عليها بواسطة اتفاقية عقدت في 25 فبراير 2005 بين روسيا وإيران. إلا أن الأزمة استمرت في تواصل مطرد بين التوتر والسكون.
وبعد تعيين محمد أحمدي نجاد رئيساً للبلاد، ازدادت الشكوك والهموم الدولية أكثر فأكثر. بالإضافة إلى أن قيام إيران بإعادة تخصيب اليورانيوم في (Asfhan) بتاريخ آب/أغسطس 2005، أدى إلى توقف المباحثات النووية الإيرانية-الأوروبية. ونتيجة للضغوط أوقفت إيران عملية تخصيب اليورانيوم مؤقتاً. ثم بعد ذلك أصرت إيران على تخصيب اليورانيوم على أراضيها، فاتخذت الوكالة العالمية للطاقة النووية قراراً في 25 أيلول/سبتمبر 2005 ينص على تحويل إيران فوراً إلى مجلس الأمن وبشروط. إلا أن روسيا التي لم ترغب في تحويل إيران إلى مجلس الأمن، أعلنت قبل اجتماع الوكالة العالمية للطاقة النووية يوم 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2005 بأنها ستقدم لإيران اقتراحاً جديداً، وقامت روسيا بإبلاغ إيران باقتراحها عبر رسالة خطية في كانون الأول/ ديسمبر 2005، ومن ثم عن طريق وفد زار طهران برئاسة مندوب الوزير الروسي للشؤون الخارجية في 7 كانون الثاني/ يناير 2006. لقد كان الاقتراح أن تمارس إيران أنشطتها النووية على الأراضي الروسية، إلا أن مجلس الأمن القومي الروسي أعلن أن إيران قد رفضت هذا الاقتراح في 10 كانون الثاني/ يناير 2006.
عند ذلك دعا الثلاثي الأوروبي الوكالة العالمية للطاقة النووية لعقد اجتماع فوري في الفترة 2-3 شباط/فبراير 2006 لمعالجة الملف الإيراني النووي. أثناء ذلك أعلن غلام رضا أنصاري –السفير الإيراني في موسكو- بأن اقتراح بوتين مازال قائماً، ويمكن مناقشته. من ناحية أخرى صرحت إيران أنه في حال إرسال الملف النووي إلى مجلس الأمن فإنها سوف تنسحب من (NPT) وستطرد مفتشي الوكالة العالمية للطاقة النووية (IAEA) من أراضيها وتضع حداً للتعاون معها، كما أنها ستصر على حقها في تخصيب اليورانيوم على أراضيها. وبالرغم من أن الملف الإيراني أُرسل إلى مجلس الأمن بقرار مجلس أمناء الوكالة الدولية للطاقة النووية في 11/2/2006 بأغلبية 27 صوتاً من مجموع أعضائه الـ35، حيث عارضت القرار ثلاث دول (كوبا وسوريا وفنزويلا) وامتنعت خمس (الجزائر، بيلاروسيا وإندونيسيا وليبيا وجنو إفريقيا) فيما صوتت مصر لصالح القرار، بالرغم من ذلك إلا أن إيران لم تنسحب من الـ (NPT) ولم تَطرد مفتشي الوكالة ولم تضع حداً للتعاون معها، واكتفت بالتصريح أنها قد سحبت البروتوكول الإضافي للـ (NPT) لعدم مصادقة البرلمان الإيراني عليه، ولكونه طبق كأمر واقع، كما أنها ستمنع التفتيش الفوري. وقامت بإزالة كل المعدات الخاصة بالتفتيش ككاميرات الفيديو من منشآتها النووية، إلا أنها استمرت بالسماح للتفتيش غير الفوري، أي التفتيش المأذون.
وفي الوقت الذي كانت فيه الترويكا الأوروبية مهتمةً بالتفاوض مع إيران وإيجاد حل للأزمة، كانت أمريكا، وهي العامل الأساس، تحاول إطالة أمد الحل، مع التظاهر بأنها تؤيد الحلول الأوروبية، فقد كان المسئولون الأمريكان، كلما اقتربت المفاوضات الأوروبية مع إيران إلى الليونة يصرحون تصريحاً مبطناً بالتهديد بأن كل الخيارات مفتوحة لإيجاد توتر، حتى إن الترويكا الأوروبية عندما جعلوا في الحوافز تطميناتٍ أمنيةً لإيران صرحت رايس برفضها، ثم هددت بالعقوبات، وهي تعلم أن العقوبات ستؤثر - أكثر ما تؤثر - في أوروبا لما لها من مصالح اقتصادية مع إيران، وكذلك على الصين الطرف الآسيوي في المفاوضات، وذلك لارتباطات روسيا النووية مع إيران، وللعلاقات الصينية النفطية مع إيران، هذا بالإضافة إلى أن الدول الأوروبية يعتمد أكثر من نصف اقتصادها على نفط الشرق الأوسط.
لقد نجحت أمريكا في إشغال أوروبا بالقضية النووية الإيرانية، ولم تشترك هي متذرعةً بأن لا علاقات دبلوماسية لها مع إيران، في الوقت الذي لا يحول هذا دبلوماسياً دون التفاوض ما دام لها مكتب يمثلها من دولة أخرى في طهران، ويؤكد ذلك رد أمريكا الإيجابي على دعوة إيران للتفاوض في موضوع العراق.  وإنما تريد أمريكا من بقائها خارج التفاوض أن تشغل أوروبا بالمسألة، وأن تكون هي - أمريكا - محرَّرةً من جو التفاوض فيسهل عليها عرقلة أي حل نتيجة تصريح ما أو إثارة موضوع معين.
إنَّ أمريكا تريد من أزمة إيران أن تكون قنبلةً متحركةً (Drifting mine) في المنطقة، وإن إيران تدرك، والترويكا الأوروبية تدرك أن أي حل يتفق عليه مع إيران لا بد من موافقة أمريكا عليه حتى ينفذ، فهي الطرف الفاعل في الأزمة، ومع ذلك فهي ترقب المفاوضات عن كثب دون الاشتراك فيها ليبقى تبريد القضية الساخنة في يدها فقط.

إن المتتبع لمجريات هذه الأزمة يلاحظ ما يلي:
1 -  إنَّ إيران لم تخالف اتفاقية عدم انتشار الأسلحة النووية بل تعاونت مع الوكالة العالمية للطاقة النووية (IAEA) تعاوناً كاملاً:
- 81 عضواً من الوكالة العالمية للطاقة النووية (IAEA) من ضمنهم أميركا، لم يوقعوا البروتوكول الإضافي للـ (NPT) في حين أن إيران وقعت عليه طواعيةً.
- قامت إيران بتنفيذ متطلبات الوكالة العالمية للطاقة النووية (IAEA) فعلياً وليس مجرد تصريحات على الورق مثل دول أخرى.
- جهزت إيران وثيقة كاملة عن برنامجها، مكونة من 1300 صفحة وسلمتها لمفتشي الوكالة العالمية للطاقة النووية (IAEA).
- سمحت لمفتشي الوكالة العالمية للطاقة النووية (IAEA) بمقابلة العلماء وذوي السلطة في الطاقة النووية.
- فتحت إيران منشآتها العسكرية للتفتيش.
- شددت إيران في كل مناسبة على أن برنامجها النووي سلمي، وأنها لا تنوي أبداً إنتاج أسلحة نووية.
- عَلَّقَتْ إيران كافة أنشطتها النووية العام المنصرم، بينما كانت المباحثات ما زالت جارية. كما أنها أوقفت طواعية إنتاج قطع الغيار، وعمل كل من منشآت أصفهان (Asfhan) ونتانز (Natanz) النووية، بالإضافة إلى النشاط النووي في مراكزها الأخرى.
- أعلنت أن تخصيب إيران لليورانيوم سيبقى في حدود استخدامه للأغراض السلمية بمراقبة وكالة الطاقة النووية.

2 -  إن أي قرار قد يصدر من مجلس الأمن لا يمكن أن يشمل عقوبات اقتصاديةً حساسةً لوقوع الضرر على روسيا والصين والترويكا الأوروبية أكثر مما يصيب أمريكا أو حتى إيران نفسها، وبالتالي فاحتمال إصدار عقوبات حساسة أمر بعيد لمعارضة تلك الدول له.

3 -  إن أي عمل عسكري، فضلاً عن ضآلة احتمال إصداره لمعارضة روسيا والصين عليه، سيربك أمريكا بتنفيذه حيث إنها في ورطة حقيقية في العراق وأفغانستان، وبخاصة وأن هذه السنة هي سنة الانتخابات النصفية في الكونجرس.

4 -  إن العامل الإسرائيلي، وهو المحرك الفعلي لقيام أمريكا بعمل عسكري ضد المنشآت النووية الإيرانية، وذلك للارتباط الوثيق بين المحافظين الجدد في أمريكا ودولة يهود في فلسطين، هذا العامل لا تتناسب ظروف أمريكا - الآن - للتجاوب معه بهجوم عسكري على إيران.

5 -  لذلك فإن الراجح أن أمريكا ستعمل على تصعيد أزمة المفاوضات بين الترويكا الأوروبية وإيران وإفشالها فتكسب من ذلك ثلاثة أمور:

الأول مبرر لإنشاء قواعد لصواريخها في أوروبا، وزيادة ثقلها حول البحر الأسود ومنطقة القوقاز. وهناك أحداث واضحة بهذا الشأن منها، مشروع نقل قوات الناتو (NATO) عبر البحر الأسود، وإنشاء ثلاث قواعد عسكرية جديدة في بلغاريا، وقواعد للصواريخ متوقعة في بولندا وتشيكيا.

والثاني إبقاء منطقة الخليج في توتر تستغله أمريكا باستمرار قواعدها بل ومزيد من القواعد بحجة وجود أزمات.

والثالث إعطاء صورة بأنها هي فقط التي تملك خيوط الأزمة، وأن مفاوضات إيران معها هي الطريق إلى الحل ومن ثم تطبيع العلاقات بشكل علني مع إيران.
والمتوقع أن تنشط الأعمال في ذلك بشكل كامل أو جزئي قبيل انتخابات الكونجرس في شهر 11/2006، أي أن منحنى الأزمة بعد أن يصل للقمة سيبدأ بالهبوط كلما اقترب موعد الانتخابات.

5 -  لقد بدأت بعض المؤشرات بالظهور حول حل الأزمة بالتقارب الإيراني الأمريكي نحو المفاوضات:
قالت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس الأربعاء الفائت 10/5/2006 “إنه إزاء معارضة روسيا والصين فرض عقوبات على إيران قررت الإدارة الأميركية إعطاء مهلة (بضعة أسابيع) قبل معاودة  ضغوطها من أجل إصدار قرار ملزم عن مجلس الأمن”.
ثم رسالة أحمدي نجاد وهي تشير بطريقة غير مباشرة إلى دعوة للتلاقي الإيراني مع أمريكا.
وتصريح عنان بضرورة المفاوضات المباشرة بين إيران وأمريكا.
وما أذيع هذا اليوم 24/5/2006 عن صحيفة واشنطن بوست التي نقلت عن سعيد ليلاز المسئول السابق في الحكومة الإيرانية أن مسئولين إيرانيين رفيعي المستوى طلبوا من عدد من الوسطاء تسهيل محادثات مباشرة مع واشنطن.  هذا في الوقت الذي ينعقد فيه اجتماع اليوم في لندن بين الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن مع ألمانيا لمناقشة الأزمة النووية.
كل ذلك يظهر أن الأمور تسير في هذا الاتجاه.

أما أحمدي نجاد فهو يتميز عن الرؤساء قبله (رفسنجاني وخاتمي) بأن لديه مشاعر فياضةً حول ما يعتقد به من الإسلام، ففكرة عودة المهدي آخذة عليه كلَّ أمره، يكررها في مجالسه حتى إنه ذكرها في أول خطاب له في سبتمبر/ أيلول 2005 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.  وهو يظهر احتراماً فائقاً لآية الله محمد تاجي مصباح يزدي، وهو يشاركه هذه الأفكار.  ولقد أثرت على نجاد هذه المشاعر في تصريحاته وتصرفاته، لكنه لا يخرج عن السياسة العامة لنظام الحكم في إيران وبخاصة وأنَّ صلاحية الرئيس مقيدة ولا تُمكِّنه من التغيير حتى لو أراد، بل إن تصريحاته لها معقبات من أركان النظام، فمثلاً:
نقلت القدس العربي 17/11/2005: (رفسنجاني يدين سياسة التطهير التي يعتمدها احمدي نجاد... وعلي صعيد اخر دان اكبر هاشمي رفسنجاني احد الشخصيات الرئيسية في النظام الايراني امس الاربعاء عمليات التطهير السياسي التي تمارسها حكومة الرئيس المحافظ محمود احمدي نجاد مشددا على انها تخدم بذلك اهداف اعداء ايران. وقال رفسنجاني الرئيس الايراني السابق الذي اوردت تصريحه وكالة الانباء الرسمية إن البعض، اليوم، يعيد النظر بالاجراءات المتخذة في الماضي ويطبق سياسة تطهير. لقد باشروا سياسة ابعاد عام لشخصيات كفوءة. ويكون رفسنجاني بذلك اول مسؤول ايراني ينتقد علنا السياسة المتبعة منذ تولي احمدي نجاد السلطة في آب (اغسطس). وقال رفسنجاني الذي كان منافس احمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية هؤلاء الاشخاص يلطخون (سمعة) الاخرين وفي حال سمحنا لهم بذلك فانهم سيعيدون النظر في مكتسبات النظام والثورة.).
وقد نشرت نحو ذلك الحياة في 18/11/2005.
كما نشرت صحيفة القناة على الإنترنت في 11/2/2006
(ذكرت وكالة الطلبة الايرانية للانباء إسنا الخميس أن كبير المفاوضين النوويين الايرانيين السابق حسن روحانى حذر الرئيس محمود أحمدي-نجاد من عزلة إيران دوليا بسبب النزاع النووى المستمر. وقال روحانى للوكالة ردا على سؤال حول وجهة نظره بشأن السياسات النووية للبلاد:
«يجب علينا استغلال كافة السبل الوطنية حتى لا نعزل أنفسنا. لا يمكن أن نحقق أهدافنا من خلال ترديد الشعارات وتبنى استراتيجية بسيطة واحدة». وكان روحانى الامين السابق لمجلس الامن القومى ورئيس الوفد النووى خلال رئاسة محمد خاتمى. غير أن روحانى رفض العمل تحت قيادة أحمدى نجاد خليفة خاتمي. وقال روحانى «إن أولئك المطلعين على الشؤون العالمية يتعين أن يكونوا أكثر حرصا على عدم ارتكاب أى خطأ» وكان الرئيس الايراني الاسبق أكبر هاشمى رفسنجانى قد حذر الاسبوع الماضى حكومة أحمدى نجاد من ترك القضية النووية تخرج عن نطاق السيطرة.
وكذلك فبعد تصريحات نجاد “يجب محو (إسرائيل) من على الخارطة”، وهذا يعني الوجوب على كل المسلمين وإيران منهم، بعد ذلك صرح مسئول إيراني كبير، وكأنه يصحح زلَّة أحمدي، “على الفلسطينيين أن يقضوا على نظام الصهاينة”. وبهذا أبعد الوجوب عن الآخرين.
ولذلك فهو وإن اختلف عمن سبقوه بمشاعره الجياشة وقربه من نقاء البسطاء من المسلمين إلا أنه من حيث السياسة العامة في العلاقات الدولية محكوم بما عليه النظام منذ نشأته.
صحيح أن أمريكا (تفضل) رفسنجاني وخاتمي على أحمدي نجاد لكن اختلاف الرؤساء في إيران لا يعطيهم صلاحية تغيير السياسة العامة للدولة لأن صلاحياتهم محدودة.
ولذلك فإن الأزمة النووية ليست شخصيةً متعلقةً يوجود نجاد في رئاسة الجمهورية، وإنما هي مرتبطة بمصالح دولية متداخلة تقف على رأسها أمريكا والاتحاد الأوروبي ومن ثم روسيا والصين، وكل هذه الدول تتعامل مع الأزمة وفقاً لمصالحها ومقدار تأثيرها في المنطقة.

والخلاصة:
1 -  إن أحمدي نجاد لديه مشاعر فياضة حول الإسلام كما يعتقده وبخاصة موضوع عودة المهدي، وهذا آخذ عليه كل أمره ويؤثر في تصرفاته وتصريحاته. إلا أنه لا يختلف عن رفسنجاني وخاتمي من حيث السياسة العامة للنظام لأن صلاحية الرؤساء في التغيير محدودة جداً حسب دستور الدولة.

2 -  إن إيران لم تخالف معاهدة الحد من الانتشار النووي، بل هي تسمح للمفتشين وتطبقها أقوى من أية دولة أخرى، كما أن تخصيبها لليورانيوم هو بنسبة متدنية بعيدة عن إنتاج السلاح النووي، مع تأكيد إيران المستمر بأن الغرض سلمي وتحت إشراف الوكالة.

3 -  إن سبب تصعيد الأزمة وعرقلة مفاوضات إيران مع الترويكا الأوروبية لحلها هو أمريكا وذلك لتحقيق الأغراض التالية:
أ -  إشغال أوروبا أمنياً لإيجاد مبرر لأمريكا لإقامة قواعد صواريخ في أوروبا.
ب -  إبقاء حالة توتر في الخليج تحقق لأمريكا وجوداً دائماً متصاعداً فيها.
ج -  إعطاء صورة دولية وإقليمية أن تبريد سخونة الأزمة بيدها ليس غير، لتنتقل بعد فشل الأوروبيين في حلها إلى إيجاد مناخ تفاوضي علني مع إيران وتطبيع العلاقات معها.  والمتوقع أن تنشط الأعمال في ذلك كلياً أو جزئياً قبيل الانتخابات للكونجرس أواخر هذا العام.

4 -  وعليه فإن تجاوب أمريكا في المدى المنظور مع العامل الإسرائيلي الضاغط على المحافظين الجدد، رغم ارتباطهم الوثيق بكيان يهود، تجاوب أمريكا مع هذا العامل لمهاجمة المنشآت النووية ضعيف، وإنما ستعمل على تطمين دولة يهود بوضع قيود من خلال المفاوضت على تخصيب اليورانيوم بنسب معينة بعيدة عما يلزم للسلاح النووي، ومحاولة التخصيب مدةً في غير إيران قبل نقلها إلى إيران، وبمراقبة وكالة الطاقة، بالإضافة إلى تعهد أمريكا لدولة العدو بالدفاع عنها نووياً.

5 -  تحويل الملف إلى مجلس الأمن لا يتوقع منه إصدار عقوبات حساسة على إيران لأن ضررها البالغ سيكون بالنسبة إلى روسيا والاتحاد الأوروبي والصين ما يجعلهم يعترضون على العقوبات الساخنة إلا ان تكون خفيفةً لا تضر تلك الدول.  أما إصدار المجلس قراراً يسمح بأعمال عسكرية فهذا بعيد الحدوث وفقاً للمعطيات الدولية المنظورة.

26 من ربيع الأول 1427هـ

 
24/05/2006م
 



إقرأ أيضا:-
جواب سؤال : حول العطور التي تحتوي كحولاً
ج س - حول الأزمات ومصير اليورو والاتحاد الأوروبي
ج س: استقالة عسكر تركيا، وتفجيرات أوسلوا
ج س : اتفاق وثيقة الدوحة للسلام في دارفور
ج س تواطؤ النظام الباكستاني في اغتيال ابن لادن