Aya

1953

HT logo
  adv search
new email def main site arabic
info office misc wilayat books tahleelat lflts  
                 
 
:::

بسم الله الرحمن الرحيم

جواب سؤال
اتفاقية المصالحة بين إريتريا وإثيوبيا في أسمرة

السؤال: تم توقيع اتفاقية مصالحة بين إريتريا وإثيوبيا في أسمرة في تموز/يوليو ٢٠١٨، وأكد المتحدث الرسمي للخارجية الإثيوبية ميلس، أن اتفاقية أسمرة الموقعة مؤخراً مع إريتريا تمت برغبة ذاتية من كلا البلدين دون وساطة من أي طرف ثالث. فما مدى صحة هذا القول؟ وهل كانت خالية من المؤثرات الدولية والإقليمية؟ ثم إن اتفاقية أسمرة أشارت إلى اتفاقية الجزائر في 18/6/2000 وكأنها مكملة لها فلماذا الانتظار نحو 18 سنة لتأكيد هذا الاتفاق؟ وجزاك الله خيراً.

الجواب: إن تصريح المتحدث الرسمي للخارجية الإثيوبية ميلس بأن اتفاقية أسمرة تمت برغبة ذاتية من البلدين هو من باب الخداع والتضليل! إن تتبع مجريات ما حدث وتدبره يتبين منه أن أمريكا هي وراء ما جرى ويجري لتحقيق مصالحها وتركيز نفوذها أمام تحركات أوروبا والصين في أفريقيا وبيان ذلك كما يلي:

أولاً: مجريات اتفاقية أسمرة: عقدت الاتفاقية في 9/7/2018م ومن ثم أعلنت إثيوبيا وإريتريا انتهاء حالة الحرب بينهما وذلك غداة عقد لقاء سمي بالـ”تاريخي” بين رئيس الحكومة الإثيوبي آبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي في أسمرة... وأعلن وزير الإعلام الإريتري يماني جبر ميسكيل على تويتر عن (”بيان سلام وصداقة مشترك وقع بين الطرفين، وإن حالة الحرب التي كانت قائمة بين البلدين انتهت، لقد بدأ عصر جديد من السلام والصداقة. إن البلدين سيعملان معا لتشجيع تعاون وثيق في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية”... فرانس برس 9/7/2018)... وحتى يتبين من وراء الاتفاقية سنذكر الأحداث اللافتة للنظر قبلها وبعدها:

1- ما حدث قبل انعقاد الاتفاقية:

أ- وصل مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية دونالد ياماموتو إلى أديس آبابا، الخميس 26/4/2018، (... في زيارة رسمية تستغرق 3 أيام، يلتقي خلالها رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد علي” ووزير الخارجية. وتأتي الزيارة في إطار جولة بدأها ياماموتو في 22 من الشهر الجاري، وشملت إريتريا وجيبوتي، ويختتمها بإثيوبيا... 27/04/2018 https://www.aa.com.tr/ar/ ).

ب- وكان آبي أحمد قد قام بأول زيارة خارجية له إلى السعودية يوم 17/5/2018 بدعوة رسمية من ملكها سلمان بن عبد العزيز.

ج- كان من أوائل الذين زاروا آبي أحمد ولي العهد السعودي ابن سلمان يوم 7/6/2018، إذ أعلنت وكالة الأنباء الإثيوبية نقلا عن رئيس مكتب رئيس الوزراء أن آبي أحمد (امتدح تطور العلاقات مع السعودية قائلا إنه بفضل محمد بن سلمان تطورت العلاقات الثنائية بين البلدين وأصبحت أكثر قوة وقربا من أي وقت مضى، وأن ولي العهد السعودي تعهد بدعم الجهود التي تبذلها أديس أبابا في الإسراع بالتنمية وتشجيع المستثمرين السعوديين للاستثمار في إثيوبيا...).

د- قالت الخارجية الأمريكية في بيان صدر يوم 21/6/2018 (”إن الولايات المتحدة تشعر بالتفاؤل للتقدم الذي حققته في الآونة الأخيرة إثيوبيا وإريتريا في سبيل حل خلافاتهما القائمة منذ وقت طويل. إن أسياس أفورقي وآبي أحمد أبديا قيادة شجاعة باتخاذ هذه الخطوات تجاه السلام. إن الولايات المتحدة تتطلع إلى تطبيع كامل للعلاقات وتحقيق لطموحاتنا المشتركة للبلدين لينعما بالسلام الدائم والتنمية”... رويترز 21/6/2018).

ه- في مقابلة مع أديس ستاندارد قال السفير مايك راينور لدى إثيوبيا (”حسناً، لقد قلنا للطرفين، وبشكل علني، وما زلنا نقول إننا جاهزون للعب هذا الدور. بالعودة إلى يوم اتفاق الجزائر كانت الولايات المتحدة ضامنا رسميا. كان لدينا دور هيكلي تم تأسيسه في النقطة التي تم الاتفاق عليها. لقد شجعنا هذه النتيجة في وقت ما مع كل من الحكومتين، ولذلك قلنا “إذا كنت تشعر بشكل تعاوني بوجود دور يمكن للولايات المتحدة لعبه بشكل بنّاء، فسنفعل كل ما في وسعنا لدعم ذلك... أعتقد أننا لعبنا دورا بناء. كما قلت، لقد عقدنا علاقات مع كلا البلدين منذ عدة أشهر لتشجيع هذه النتيجة.”... 02/07/2018 http://addisstandard.com)

كل هذا يبين أن عقد الاتفاقية كان بتمهيد من أمريكا ومن أشياعها الحكام في السعودية، وذلك من تتبع الأحداث قبيل انعقادها.

2- ما حدث بعد انعقاد الاتفاقية:

أ- أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية، دعمها لاتفاق السلام بين إريتريا وإثيوبيا، بعد سنوات من الصراع. جاء ذلك في بيان لوزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو، اليوم الثلاثاء. وقال بومبيو: (”ترحب الولايات المتحدة بالتزام السلام والأمن الموقع، أمس الاثنين، بين دولتي إريتريا وإثيوبيا، ما يضع حداً بشكل فعلي لـ20 عاماً من الصراع” وشدد على أن “تطبيع العلاقات، واعتماد الإعلان المشترك للسلام والصداقة بين إريتريا وإثيوبيا، سيوفران لشعبيهما الفرصة للتركيز على التطلعات المشتركة من أجل توثيق الروابط السياسية والاقتصادية والاجتماعية... 10/07/2018 ar.haberler.com)

ب- زار أسياس أفورقي السعودية في 23/07/2018م بعد اتفاقية أسمرة في 09/07/2018م واستعرض هو والملك سلمان (”مستجدات الأحداث على الساحة الإقليمية...” كذلك بحث عادل الجبير مع نظيره الإريتري خلال اجتماعه به “العلاقات الثنائية بين البلدين والموضوعات ذات الاهتمام المشترك”... الشرق الأوسط 24/07/2018م)

ج- وبعد ما يزيد عن الشهرين على إعلان أسمرة (برعاية من العاهل السعودي الملك سلمان وقع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد علي الأحد 16/09/2018م اتفاقية جدة للسلام بين البلدين وحضر التوقيع ولي العهد السعودي... سكاي نيوز عربية 16/09/2018م)

وإذن فمن تسلسل الأحداث أعلاه، يتبين أن أمريكا وعملاءها كانوا المحركين للأحداث قبيل اتفاقية أسمرة بتهيئة الأجواء لها وكذلك بالدعم الواضح لها بعد عقدها.

ثانيا: واقع الحكم في إثيوبيا وإريتريا:

1- بالنسبة إلى إثيوبيا:

أ- وقعت الحبشة تحت الاحتلال الإيطالي عام 1935، وقد هرب إمبراطورها هيلا سيلاسي مريم عبر كينيا إلى مصر الواقعتين تحت الاستعمار البريطاني في ذلك التاريخ، ومن ثم ذهب إلى بريطانيا ومكث فيها، إلى أن أعادته بريطانيا عام 1941 بعد طرد إيطاليا من الحبشة على يد الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية وأعادت تنصيب هيلا سيلاسي كإمبراطور، ومن ثم أصبحت الحبشة تحت النفوذ البريطاني... وفي ذلك الوقت، احتلت بريطانيا أيضاً إريتريا المجاورة، التي كانت تحت الحكم الإيطالي منذ القرن التاسع عشر. وفي عام 1950، ضمّت إريتريا إلى إثيوبيا تحت حكم هيلا سيلاسي. وقد استمر النفوذ البريطاني في إثيوبيا ومن ضمنها إريتريا حتى 1974 عندما حصل انقلاب عسكري على الإمبراطور من قبل ضباط يساريين، وقد برز من بينهم الضابط منغستو هايلي مريام الذي استطاع أن يهيمن على الحكم من عام 1977 بعد صراع بين هؤلاء الضباط وبقي في الحكم حتى عام 1991، وقد كانت معظم الحركات الانقلابية تلك الأيام تأخذ شعارات الثورية والتحررية والاشتراكية ونحو ذلك... وهكذا كانت شعارات انقلاب مريام مع أن أمريكا كانت وراءه لضرب النفوذ الاستعماري البريطاني... ومن أعماله الخارجية لمصلحة أمريكا دعم حركة التمرد في جنوب السودان بقيادة جون قرنق الذي كان مرتبطا بأمريكا. وبقي الدعم الإثيوبي مستمرا لهذه الحركة حتى تم فصل الجنوب عن السودان بتواطؤ حكومة البشير في السودان...

ب- لكن منغستو عرف بدمويته فخشيت أمريكا أن يثور الناس وتعود بريطانيا من جديد فأسقطته وأتت بملس زيناوي وهو ينتمي إلى جبهة تحرير قبيلة تغراي النصرانية التي تشكل 5% من سكان إثيوبيا، وقد تحالفت مع جبهات قومية أخرى ومنها جبهة تحرير الأورومو. ومن أهم الأعمال التي قام بها زيناوي لحساب أمريكا تدخله في الصومال عام 2006. إذ أوعزت إليه أمريكا ليقاتل الحركات الإسلامية وليسقط حكم المحاكم الإسلامية في الصومال. وما زال الجيش الإثيوبي موجوداً في الصومال لتأمين الاستقرار للنفوذ الأمريكي.

ج- وبعد وفاة زيناوي عام 2012 خلفه هيلا مريام ديسلين المنتمي للقبيلة نفسها. إلا أن اضطرابات حصلت وفرضت حالة الطوارئ في السنة التالية؛ إذ اندلعت الأحداث في تشرين الأول/أكتوبر عام 2015 عقب قرار الحكومة بتوسيع رقعة العاصمة أديس أبابا ومن ثم مصادرة الأراضي الزراعية المتاخمة لها وتقع تلك الأراضي ضمن أملاك قبيلة الأورومو الذين يمثلون 40% من السكان وتليها الأمهرية 20%، وسارعت الحكومة بعد سنة عام 2016 إلى إعلان حالة الطوارئ، وجرى اعتقال أكثر من 29 ألفا وقتل أكثر من 500 شخص في غضون شهور في الاحتجاجات، فعادت خشية أمريكا مرة أخرى فأمرته بالاستقالة لأنه لم يستطع تهدئة الأوضاع، ومن شأن ذلك أن يزعزع الاستقرار في القرن الأفريقي كله...

د- وهكذا استقال ديسلين يوم 15/2/2018، وأتت أمريكا بحاكم لإثيوبيا من أكبر قبيلة متمردة وغالبيتها من المسلمين وهي الأورومو فأتت بآبي أحمد المنتمي لهذه القبيلة، وأمه نصرانية من قبيلة الأمهرية وكذلك زوجته، لكسب أكبر قبيلتين في إثيوبيا. وقد شغل مناصب في مؤسسة الجيش ومن ثم في مؤسسة المخابرات، ومن ثم شغل مناصب سياسية... وقد تولى منصبه كرئيس للوزراء يوم 2/4/2018. وقد تعرض آبي أحمد إلى محاولة اغتيال يوم 23/6/2018 (إذ قام شخص بالهجوم بقنبلة أثناء تجمع في العاصمة أديس أبابا عقب إلقائه خطابا أمام عشرات الآلاف من الناس. فقال عقب الانفجار “محاولة غير ناجحة لقوى لا تريد أن ترى إثيوبيا متحدة” ونددت السفارة الأمريكية في أديس بابا بالهجوم وقالت: “العنف ليس له مكان في إثيوبيا”... الحرة 23/6/2018) وليس مستبعدا أن يكون ذلك له علاقة بالتغييرات الداخلية العسكرية والأمنية التي قام بها بإقالة قائد القوات المسلحة وكذلك رئيس المخابرات العامة في بلاده يوم 8/6/2018، إذ إن هاتين المؤسستين متهمتان بقتل مئات المحتجين واعتقال عشرات الآلاف منهم في الاحتجاجات منذ عام 2015.

وهكذا فإن أمريكا تمسك بمفاصل الحكم في إثيوبيا وبخاصة بعد استلام آبي أحمد الحكم حيث يقوم بتنفيذ المخططات الأمريكية وتوجهاتها لإزالة التوتر بين عملاء أمريكا في المنطقة ليصبحوا قوة ذات شأن في مواجهة أي اختراق سياسي لأوروبا وأي تمدد اقتصادي للصين.

2- بالنسبة للحكم في إريتريا:

كما قلنا آنفاً فإنه بعد انقلاب الضباط على هيلا سيلاسي وإنهاء النفوذ الإنجليزي في إثيوبيا ومن ضمنها إريتريا أمسك بزمام الحكم منغستو مريام فأوغل في البطش بشكل دموي فخشيت أمريكا من ثورة الناس واستغلال بريطانيا للوضع وتعود من جديد وهي ذات باع طويل في هذه الأمور، فأزالت منغستو وجاءت بزيناوي في 1991… وفي الوقت نفسه ظهرت تحركات واحتجاجات في إريتريا للمطالبة بالاستقلال فرأت أمريكا إجابة مطالباتهم لتهدئة الأوضاع فأعلن استقلال إريتريا في 1993 ونصبت عليها أفورقي ولكن لم تحدد في إعلان الاستقلال حدوداً للدولة الجديدة فخشي أفورقي أن تعود إثيوبيا فتضمها مرة أخرى فقام في 12/5/1998 بأعمال عسكرية لترسيم الحدود مخالفاً رأي أمريكا التي نصَّبته حاكماً واستمر في ذلك رافضاً الخطة الأمريكية للتفاوض التي قدمتها سوزان رايس في 30/5/1998 وكاد ينجح برسم الحدود لولا أن رأت أمريكا في ذلك تمرداً عليها فلجأت إلى تأديبه بل إلى تعمد إذلاله فأمرت زيناوي بشن حرب وحشية في 4/2/1999 على إريتريا وتصاعدت بأكثر دموية في 12/5/2000 حتى أزالت كل ما رسمه من حدود ودخلت في أعماق إريتريا بشكل مذل فوافق أفورقي على اتفاقية الجزائر 18/6/2000 وعلى كل الشروط المطلوبة ومع ذلك بقيت مسألة الحدود غير محسومة! وقد أصدرنا تعليقاً سياسياً في حينه بتاريخ 20/3/1421ه-22/6/2000م قلنا فيه: (...يوم الأحد 18/6/2000 وقّع وزراء خارجية كل من إريتريا وإثيوبيا على اتفاقية وقف إطلاق النار بين بلديهما؛ وذلك في الجزائر بحضور حاكمها بصفته رئيساً للدورة الحالية لمنظمة الوحدة الأفريقية. وبحضور مندوبين عن كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي ومنظمة الأمم المتحدة. وتنص الاتفاقية على خمسة عشر بنداً أهمها: تعيين الحدود المشتركة بين البلدين وترسيمها عن طريق خبراء دوليين منتدبين من الأمم المتحدة، هذا مع تأجيل إعادة انتشار القوات الإثيوبية المعسكرة في بادمي والمناطق الحدودية الأخرى إلى ما بعد حضور القوات الدولية بأسبوعين، وقيام إريتريا بإخلاء منطقة عرضها 25 كيلومتراً على طول حدودها مع إثيوبيا، كمنطقة عازلة تكون تحت سيطرة القوات الدولية إلى حين ترسيم الحدود وحلّ النـزاع... وعلق كلينتون على التوقيع قائلاً: “هذا تقدم كبير ومن شأنه إنهاء النـزاع المأساوي في القرن الأفريقي”، وقال: “إثيوبيا وإريتريا أصدقاء لأمريكا فإذا كانوا جاهزين لاتخاذ الخطوات التالية فنحن وشركاؤنا من المجموعة الدولية سنمشي معهم” وعلق أنطوني ليك - مبعوث الرئاسة -: “هذه لحظة مهمة وتنهي نزاعاً استمر لسنتين”). ومع أن الاتفاقية نصت على ترسيم الحدود إلا أنها بقيت معلقة! فلم تكن إثيوبيا معنية بترسيم هذه الحدود في يوم من الأيام، بل كانت تعتبر إريتريا جزءاً من أراضيها وإقليماً من أقاليمها، وسعى أباطرة الحبشة ومن بعدهم منغستو مريام إلى دمجها بشتى الطرق والأساليب، وذلك نظراً لحاجتهم الماسّة إلى منافذ بحرية في إريتريا... لهذا حاول أفورقي رسم الحدود عسكرياً وكاد ينجح لولا الهجوم الإثيوبي في 12/5/2000م بدفع أمريكي كتأديب لأفورقي كما ذكرنا من قبل فأُرغم أفورقي على قبول كل ما طلبته إثيوبيا وبإعلان صريح عن قبول الاتفاقية التي صدرت تحت غطاء منظمة الوحدة الأفريقية والتي تم توقيعها في الجزائر يوم الأحد 18/6/2000م.

وقلنا في التعليق السياسي المذكور أيضاً: (إن إثيوبيا وإريتريا بلدان تابعان في سياستهما لأمريكا، وحكامهما عملاء لها، فهي التي مكنت مِلِسْ زيناوي بقيادة جبهة التحرير الشعبية التجرية من استلام السلطة في أديس أبابا عندما أرادت تغيير عميلها منغستو مريام عام 1991م، وهي التي مكنت أسياسي أفورقي بقيادة جبهة التحرير الشعبية الإريترية من الاستقلال عن إثيوبيا عام 1993م. فالخلاف بين إثيوبيا وإريتريا خلاف بين العملاء أو (الأصدقاء) كما يحلو لكلينتون وخبراء السياسة في البيت الأبيض أو الغرب تسميتهم، وقد حاولت أمريكا حلّ الخلاف بينهما بالمفاوضات، وكرّست لتحقيق ذلك جهود أبرز خبرائها وهو أنطوني ليك الذي استغرق في ذلك أكثر من سنة دون أن يتمكن من حل الخلاف؛ إذ إن أفورقي لم يرض بالمقترحات الأمريكية، ورأى أنها منحازة لصالح إثيوبيا... فلما استعصى عليها أفورقي بهذه الصورة لجأت إلى تأديبه بل ولتعمد إذلاله بالقوة العسكرية، دأبها في التعامل مع عملائها إن فكروا بالتمرد عليها، فهي - أمريكا - التي دفعت زيناوي لشنّ الحرب الأخيرة على إريتريا وسفيرها في الأمم المتحدة هولبروك هو الذي أعطاه الضوء الأخضر لشنها... وصرح يوم الأربعاء 10/5/1998م، قبل مغادرة أسمرة وبعد اجتماعه بالرئيس الإريتري، صرح قائلاً: “نحن قريبون جداً من استئناف الحرب ونشوب جولة جديدة من القتال الذي إن حصل سيكون أكبر حرب على القارة الأفريقية”. هذه هي التصريحات النارية التي أطلقها هولبروك قبل مغادرته لأسمرة والتي أنذرت بشر مستطير كل من سمعها في ذلك الوقت. وهولبروك هذا أصبح نذير شؤم للبلدان التي يزورها في العالم، فهو يقتفي أثر سيئ الذكر سلفه كيسنجر في تأجيج الحروب وجلب الويلات ويسترخص سفك دماء الشعوب في سبيل المحافظة على المصالح الأمريكية... الخميس 20 ربيع الأول 1421هـ-الموافق 22/6/2000م) انتهى. وواضح مما سبق أن تحفظ إريتريا على المقترحات الأمريكية لا يعني عدم خضوعها لأمريكا، بل يعني أنها تريد أن تقنع أمريكا بأن تساعدها على ترسيم الحدود بينها وبين إثيوبيا بشكل نهائي حتى لا تبقى إريتريا في حالة “شبه استقلال”، لأن عدم تحديد إثيوبيا لحدودها مع إريتريا يبقي الشك لدى الإريتريين في نوايا إثيوبيا.

وهكذا يتبين أن أفورقي وآبي أحمد كليهما من عملاء أمريكا، فليس من اليسير عليهما أن يعقدا اتفاقية أسمرة بالبنود التي ذكرت فيها دون علم أمريكا وتخطيطها وأمرها لهما بالتنفيذ.

ثالثا: أما لماذا انتظرت أمريكا 18 عاماً بين اتفاقية الجزائر سنة 2000 وبين اتفاقية أسمرة 2018 فهو يعود إلى مصالحها نفسها:

بعد اتفاقية الجزائر التي كانت برعاية أمريكا وكانت العقدة الأشد هي ترسيم الحدود فكانت إثيوبيا تريد المماطلة فيها، وأما إريتريا فتلح عليها، ومع ذلك فلم تهتم أمريكا بالضغط لحل المشكلة فمصالحها محفوظة حلت أم لم تحل فالاثنان عملاء لها والمناكفة بينهما لا تؤثر في مصالحها كما كانت تراها حينذاك، لكن استجدت أمور في السنوات الأخيرة جعلت أمريكا تعيد النظر في سياستها الأفريقية وخاصة القرن الأفريقي:

1- كثرة تقلبات الحكم في إثيوبيا وهذا بطبيعة الحال يضعف الحكم ومن ثم يبعد استقراره ما يجعله سهل الاختراق... وهكذا يكون مطمعاً للدول الاستعمارية وخاصة لبريطانيا من ناحية النفوذ السياسي، وللصين من ناحية النفوذ الاقتصادي، فاستدعى كل ذلك عودة الاهتمام الأمريكي بها، والذي تُوج أخيراً بالمصالحة الإثيوبية الإريترية وما لها من أبعاد كثيرة تخدم أمريكا.

2- لقد (أفادت التقارير الواردة أن إثيوبيا بها احتياطي ضخم من البترول في العديد من المناطق وبدا فعليا العمل في استخراجه في عدد كبير من المناطق... إثيوبيانا نت 1/4/2013)، (ويتوقع أن يصل إنتاج الآبار النفطية في المنطقة 40 مليار جالون من النفط، وأن تصل إلى الأسواق خلال عام 2018… مقديشو سنتر 25/12/2016)، وهكذا فقد أصبح النفط عاملاً جديداً يحرك السياسة الأمريكية باتجاه مزيد من الاهتمام بالقرن الأفريقي خاصة وأن الشركات الصينية لها دور الريادة والسبق الاقتصادي في التنقيب واستخراج النفط الإثيوبي. وليس خافياً على أمريكا المشاهد القوية والمتزايدة للغزو الاقتصادي الصيني للقارة الأفريقية، وخاصة في إثيوبيا فإن الصين تستثمر بكثافة نظراً لضخامة السوق الإثيوبية، (تعمل الصين على تعزيز استثماراتها في أفريقيا، وخاصة في إثيوبيا التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى منطقة صناعية صينية. السلطات الإثيوبية من جهتها تعمل على تسهيل الاستثمارات الأجنبية وتؤكد أنها المستفيد الأول والأخير من التواجد الصيني على أراضيها... فرانس 24، 5/6/2018،) لذلك كان هذا الاندفاع الأمريكي المتصاعد نحو إثيوبيا للتضييق على النفوذ الاقتصادي للصين.

3- محاولات واسعة لتسلل النفوذ الإنجليزي إلى القرن الأفريقي، فقد لوحظ تطور سريع للعلاقات بين الإمارات وإثيوبيا، فبعد أن كانت العلاقات بينهما مهملة لدرجة أن دولة الإمارات قد أقامت سفارتها في أديس أبابا فقط سنة 2010! فقد تسارع التعاون بينهما بعد ذلك، فجرى توقيع اتفاقيات تشمل مجالات عدة، مثل اتفاقيات التعاون الفني للمساعدات الجمركية وفتح مكتب تمثيل لغرفة تجارة وصناعة دبي في أديس أبابا سنة 2013، والطيران المدني سنة 2014 والتعليم العالي والشباب والرياضة سنة 2015، وتم تأسيس اللجنة الإثيوبية الإماراتية المشتركة التي كانت تعقد اجتماعاتها على مستوى وزراء الخارجية... وخلال الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الوزراء الإثيوبي السابق هيلي ماريام ديسالين، في العام 2016 إلى دولة الإمارات العربية المتحدة شهدت العلاقات الثنائية بين البلدين نقلة نوعية في كافة المجالات، وكان ذلك نتيجة سلسلة مباحثات أجراها ديسالين مع القيادة السياسية في دولة الإمارات العربية المتحدة 

في إطار زيارة رسمية قام بها إلى أبوظبي. وحينها قال وزير مكتب شؤون الاتصالات الحكومي السابق غيتاتشو ردا: (إن زيارة ديسالين بحثت عددا من القضايا المشتركة التي تهم التعاون بين البلدين بما يخدم المصالح المشتركة وخاصة في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والقضايا الإقليمية والدولية... وقالت وزيرة الدولة للتعاون الدولي الإماراتي ريم الهاشمي، خلال برنامج نظمته سفارة الإمارات بأديس أبابا إن إثيوبيا هي من بين الشركاء الاستراتيجيين لدولة الإمارات العربية المتحدة في أفريقيا، وأن البلدين تربطهم قواسم مشتركة... العين الإخبارية 7/3/2018).
وتقوم بريطانيا ومن بوابة الإمارات بمحاولة لربط إثيوبيا بمحاورها وسياساتها على أمل التأثير في إثيوبيا وإريتريا، ولهذا فإن الزيارات لافتة للنظر، فكان (الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، قد عقد جلسة محادثات رسمية مع رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد، في أديس أبابا، في 15 حزيران/يونيو الماضي، تناولت تعزيز علاقات الصداقة والتعاون والشراكة الاستراتيجية بين البلدين. وفي يوم الثلاثاء الموافق 3 تموز/يوليو الجاري، استقبل ولي عهد أبو ظبي رئيس إريتريا، أسياسي أفورقي، معربا عن تطلعه إلى أن تسهم هذه الزيارة في دعم علاقات التعاون بين دولة الإمارات وإريتريا خلال المرحلة المقبلة بما يعود بالخير على البلدين وشعبيهما الصديقين... 22/07/2018 http://www.alkhaleej.ae)

فهذه المستجدات والتطورات جعلت أمريكا تولي اهتماماً كبيراً بأفريقيا وخاصة القرن الأفريقي وتنشط فيه، ولذلك عينت أمريكا في أيلول/سبتمبر من عام ‏2017‏ دونالد يوكيو ياماموتو قائما بأعمال مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشئون الأفريقية وهو المنصب الأكثر تأثيراً في عملية صنع السياسة الأمريكية تجاه القارة الأفريقية‏. ‏ولم يأت اختيار ياماموتو لهذا المنصب من فراغ، فهو يُعد من أكثر الدبلوماسيين الأمريكيين خبرة في الملف الأفريقي خصوصا في منطقة القرن الأفريقي حيث سبق أن مثل بلاده دبلوماسيا في دول تلك المنطقة... وقد كانت له مساهمات فعالة في التمهيد لاتفاقية أسمرة بين إثيوبيا وبين إريتريا لإزالة ما بينهما من توتر وأن تكون العلاقات حسنة، وهكذا عقدت اتفاقية أسمرة تأكيداً وإكمالاً لاتفاقية الجزائر لتسوية الأمور بين إثيوبيا وإريتريا، بل ما بين عملائها في المنطقة حيث إنه من المتوقع أن تخف حدة التوتر كذلك بين إثيوبيا ومصر بشأن السد، فقد زار آبي أحمد مصر والتقى السيسي في 10/7/2018 أي بعد توقيع اتفاقية أسمرة بيوم واحد ووقع مع السيسي على تبني رؤية مشتركة بين الدولتين مبنية على احترام حق كل منهما في تحقيق التنمية دون المساس بمصلحة الآخر... وبطبيعة الحال فكل هذا بموافقة أمريكية، وكذلك مع السودان فأرسلت أمريكا في شهر نيسان الماضي وفداً فنياً ودبلوماسياً كمبادرة وساطة لتقريب وجهات النظر بين الدول الثلاث وذلك لتحصين عملائها أمام الاختراق الصيني الاقتصادي والاختراق البريطاني السياسي.

رابعاً: وفي الختام فإنه من المؤلم أن الدول الكافرة المستعمرة وعلى رأسها أمريكا تتحكم في دول المنطقة... وقد لا يعلم البعض أن المسلمين في إثيوبيا وإرتيريا نحو نصف السكان بل هناك من يقدر أعدادهم بأكثر من ذلك أي يتجاوزون الخمسين مليوناً... وقد لا يعلم البعض كذلك أن سفينة المسلمين الأوائل الذين هاجروا من مكة إلى الحبشة رست في مصوع الميناء الشهير في إريتريا... ومع ذلك فإن البلدين موضع اهتمام أمريكا والصين وأوروبا ولا يكاد يظهر أي اهتمام للمسلمين بهما... على كل، ما هذا الأمر بغريب ولا عجيب، فما دام المسلمون بلا دولة ترعى شئونهم، فسيكون حالهم كالأيتام على مائدة اللئام... ولا يصلح شأنهم ولا يستقيم أمرهم إلا بخلافة تجمعهم على كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

السادس من صفر الخير 1440هـ

 
15/10/2018م
 



إقرأ أيضا:-