|
إن حالة الانقسام والتفرق والتشرزم؛ المتمثلة في انقسام الناس على أسس قبلية وجهوية وعصبية، وانقسام الوسط السياسي حكومة ومعارضة، على أساس المصلحة يصطرعون على السلطة، هذه الحالة ليست جديدة في بلادنا، ولكن دخول العامل الدولي المتمثل في اشتداد الصراع بين قطبي السياسة الدولية (أمريكا وأوروبا) على إفريقيا، وعلى بلادنا على وجه الخصوص هو الذي أزّم أوضاعنا، وأدخل البلاد في حالة حادة من الاستقطاب لطرفي الصراع الدولي، فكانت النتيجة فصل جنوب السودان باتفاقية نيفاشا، وولوغ المسلمين في دماء بعضهم في دارفور وغيرها، ووضع البلاد على هاوية التقسيم على أسس جهوية وقبلية. والكفار المستعمرون (أمريكا وأوروبا) في كل ذلك إنما يستغلون أبناء المسلمين الذين يفكرون على غير أساس الإسلام، سواءً أكانوا في الحكومة أم في المعارضة أم حملة السلاح أم عامة الناس؛ وقود هذه الحروب.
إن الذي جعلنا لقمةً سائغةً لهؤلاء الكفار المستعمرين يمكرون بنا؛ هو أننا لم نرتبط مع بعضنا البعض بالرابطة الصحيحة، بل بروابط منحطة فاسدة؛ مثل رابطة الوطنية، ورابطة القبيلة، والرابطة المصلحية.
أما الوطنية فهي رابطة تنشأ بين الناس عندما ينحط فكرهم، لأنها رابطة غريزية، وذلك لأن الناس بحكم عيشهم في أرض واحدة والتصاقهم بها، تأخذهم غريزة البقاء بالدفاع عن النفس، وتحملهم على الدفاع عن أرضهم التي يعيشون عليها، ومن هنا تأتي الرابطة الوطنية، وهي رابطة ضعيفة ومنخفضة، ولا تظهر إلا في حالة وجود اعتداء أجنبي، ولا يكون لها أثر في حالة عدم وجود اعتداء؛ أي حالة سلامة الوطن. والوطنية بهذا الوصف هي مظهر من مظاهر التفرق والتشرزم والضعف، وليست من مظاهر الوحدة والجمع. فبالوطنية مزّق الكافر المستعمر بلاد المسلمين إلى دويلات هزيلة ضعيفة، وبالوطنية أغرى بينهم العداوة والبغضاء فتفرقت كلمتهم، وضعفوا وذلوا، فبدل أن يكونوا أمةً واحدةً تفرقوا: هذا سوداني وذاك مصري والآخر فلسطيني وهكذا فبدل أن يتجمعوا تفرقوا، فهل بعد ذلك يقال بجمع الصف على أساس الوطنية؟ ثم إن هذه الوطنية ليست فكرة سياسية؛ أي فكرة لها معالجات لمشاكل الناس، لذلك كان من الخطأ تصور إمكان جمع الناس على أساسها، أو إقامة أحزاب وتجمعات على أساسها، وليس أدل على ذلك من تعقيد الدولة الوطنية للمشاكل في بلادنا طيلة العقود الماضية. ومن الرابطة الوطنية هذه الرابطة الجهوية، التي يكفي لفسادها نجاح الكافر المستعمر في تصويره للناس في بلادنا أن شمال السودان غير جنوبه، وسار في ذلك إلى أن فصل الجنوب عن الشمال، وهو الآن يصور لنا أن الشرق مختلف، وأن الغرب له خصوصية إمعاناً في تكملة مخطط تفتيت البلاد.
أما الرابطة القبلية؛ فهي رابطة تنشأ بين الناس عندما يضيق فكرهم ، إذ هي نتيجة لحب السيادة، الذي هو مظهر من مظاهر غريزة البقاء، وهي رابطة تُنشيء المخاصمات والصراعات بين الناس، ولذلك يغلب على أصحابها الهوى ونصرة بعضهم على غيرهم، فهي رابطة غير إنسانية، ودونكم ما يحدث في دارفور من انتهاك لكل الحرمات بين المسلمين على الأساس القبلي.
أما ثالثة الأثافي فهي الرابطة المصلحية؛ وهي رابطة مؤقتة وليست دائمة، لأنها تدور مع المصلحة، وهي كذلك لا تصلح لأن تربط بين الناس، لأنها عرضة للمساومة على مصالح أكبر، بل إذا تباينت المصلحة فإنها تنتهي، وتفصل الناس عن بعضهم، ولأنها تنتهي حين تتم هذه المصالح، لذلك كانت رابطة خطرة على أهلها. فالحكومة ربطت نفسها بالكفار مصلحياً فوقّعت على اتفاقية نيفاشا وأخواتها أبوجا وأسمرا، ففصلت الجنوب، وهيأت بقية المناطق للانفصال، وهي في كل ذلك إنما توهمت أن ضغط الكفار عليها سيخفّ، فما ازداد الكفار إلا ضغطاً عليها لتقدّم تنازلاً مع كل صباح. أما الحركات المسلحة فإنها ربطت نفسها بالأجنبي مصلحياً فكان دعمه اللوجستي والمادي، لتصل إلى السلطة وتوابعها من ثروة وغيرها، فماذا فعلت؟ جعلت من أهلها وقوداً لحرب الكاسب فيها خسران، لأن المنتصر الحقيقي هو أحد طرفي الصراع الدولي. أما المعارضة فهي على ذات المنوال، تنسج أعمالاً سياسية بهدف إسقاط الحكومة للوصول إلى كراسي السلطة، طمعاً في السلطة حتى لو تحالفت مع الشيطان نفسه.
أيها الإخوة في هيئة جمع الصف الوطني:
أيها المسلمون:
إن الذي يجمع الصف حقيقة هو ارتباط الإنسان مع الإنسان برابطة صحيحة؛ هي رابطة مبدأ الإسلام العظيم، إذ هي الرابطة الوحيدة التي لها عقيدة عقلية، منها نظام ينظم كافة جوانب حياة الإنسان، فالإسلام في نظامه إنما ينظر إلى الإنسان ليعالج مشاكله بوصفها مشاكل إنسانية لا باعتبار آخر. فها هو الإسلام عندما أشرق نوره في الجزيرة العربية لم يكن هنالك أناسٌ بينهم من العداوة والبغضاء والصراعات القبلية، وتركز رابطة المصلحة كما كان شأنهم، فما أن أُشربت قلوبهم الإيمان بالإسلام، وتركزت عقيدته ونظامه حتى تحولوا أمة من دون الناس، متآلفين متحابين فيما بينهم، يحملون الخير لغيرهم، يقول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}، وقال: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}، بل إن المسلمين فتحوا العراق، وكان يسكنها خليط من النصارى والمزدكية والزرادشتية من العرب والفرس، وفتحوا فارس، وكان يسكنها العجم وقليل من اليهود والرومانيين وكانت تدين بدين الفرس، وفتحوا الشام وكانت إقليماً رومانياً يدين بالنصرانية، ويسكنه السوريون والأرمن واليهود وبعض الرومان وبعض العرب، وفتحوا مصر، وكان يسكنها المصريون وبعض اليهود والرومان، وفتحوا شمال إفريقيا وكان يسكنه البربر، وفتحوا السند وخوارزم وسمرقند والأندلس، وكانت هذه الأقطار متباينة القوميات واللغة والدين والتقاليد والعادات والقوانين والثقافة، وبالرغم من ذلك صهر الإسلام هذه الشعوب في هذه الرقعة الجغرافية الواسعة، وجعلها أمة واحدة، موحدة الدين واللغة والثقافة والقوانين. فهل يعجز هذا الإسلام العظيم عن جمعنا وصهرنا مرة أخرى ونحن مسلمون؟
أيها الإخوة في هيئة جمع الصف الوطني:
إنكم تجتمعون اليوم، وتجمعون الأحزاب والقوى السياسية في هذا البلد، مدركين لثقل تبعة جمع الناس على كلمة سواء، لا بد أن تدركوا أن أمانة التكليف في أعناقكم توجب عليكم النظر في هذه القضية من زاويتها الصحيحة، زاوية الإسلام، فرابطة مبدأ الإسلام وحدها هي التي حققت على مدار التاريخ الإنساني جمع الناس، فوحدت صفهم، وقوت شوكتهم، لمدة ثلاثة عشر قرناً من الزمان، وهم يعيشون في دولة واحدة، دولة الخـلافة، في حين عجز المبدأ الاشتراكي الشيوعي فتناثرت دوله كحبات المسبحة على أسس قومية ودينية، وليس حال المبدأ الرأسمالي الذي تنخر سوسة الأقليات والعنصريات ورفض الآخر لأنه ذو أصول مهاجرة، ليس هو الآخر بأفضل حالاً من الاشتراكية، فهلا أدركنا قيمة مبدئنا؟!
لعزّ الدنيا والآخرة ندعوكم، فقوموا بواجبكم واتقوا الله وقولوا قولاً سديدا. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا . إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا}.
|