Aya

1953

HT logo
  adv search
new email def main site arabic
info office misc wilayat books tahleelat lflts  
                 
 
:::

بسم الله الرحمن الرحيم

اتفاقيةُ أبوجا، تحاكمٌ إلى الطاغوت وتعقيدٌ لمشاكل البلاد

في يوم الجمعة 6/5/2006م وقّعت حكومة السودان وأكبر فصائل متمردي دارفور على وثيقة الاتفاق المقدمة من وسطاء الاتحاد الأفريقي بعد أن أدخلت عليها تعديلات طفيفة بواسطة نائب وزيرة الخارجية الأمريكية روبرت زوليك الذي بعثه الرئيس الأمريكي بوش لانقاذ المفاوضات التي وصلت إلى طريق مسدود، برفض جماعات التمرد الثلاث للوثيقة المقدمة.

إن طبيعة الصراع في منطقة دارفور، هو صراع دولي بين أمريكا وأوروبا (بريطانيا وفرنسا)، اذ ترى أوروبا أنها لم تخرج من اتفاق نيفاشا بمكاسب، وأن نصيبها من غنيمة تمزيق السودان سيكون دارفور وشرق السودان، بالإضافة إلى تأمين الأنظمة الموالية لها في تشاد وأفريقيا الوسطى. أما أمريكا فتريد أن تمزق السودان على نار هادئة تمكنها من ابتلاعه قطعةً قطعة، وليس أدل على ذلك من هذا الثقل الدولي في المفاوضات، ظهر ذلك في الحركة المكوكيه لنائب وزيرة الخارجية الأمريكية، ووزير التعاون الدولي البريطاني، ورئيسي الاتحاد الأفريقي السابق والحالي، بين أطراف التفاوض. يقول رئيس إحدى حركات التمرد: [تلقيت مكالمات هاتفية من (18) زعيماً عالمياً ووزارء خارجية ومسؤولين كبار، من بينهم توني بلير ورايس وسولانا، وتسلمت رسالة شخصية من (بوش)]، أما الاتحاد الأفريقي فهو أداة من أدوات الصراع الدولي.

إن تحاكم هؤلاء الافرقاء ـ الحكومة وحركات التمرد، والذين هم مسلمون- إلى الاتحاد الأفريقي وشركائه الدوليين ـ أمريكا وأوروبا ـ الذين يحركونه من وراء ستار، إنما هو تحاكم إلى الطاغوت، وردّ للأمر إلى غير أهله، وكل ذلك محرَّم شرعاً، لأن الله أوجب التقيد بأحكام الشرع. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا}. {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}. {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}. فهذه الآيات قطعية الدلالة في وجوب التقيد بأحكام الشرع، فالله تعالى أمر المسلمين بان يأخذوا ما آتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه، لا ما آتاهم الاتحاد الأفريقي مما فرضه عليه ما يسمى بشركائه الدوليين أمريكا وأوروبا. وقد أكّد القرآن هذا المعنى بشكل جازم في نفي الإيمان عمن يحكِّم غير الرسول صلى الله عليه وسلم ، أي غير شريعة الإسلام، فقال: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}، ثم لم يكتفِ بمجرد التحكيم، بل اشترط الرضا بالحكم، فقال: {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}. ولم يكتفِ القرآن بهذا التأكيد، بل نعى على الذين يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من شريعة الإسلام، وجعل احتكامهم لغيره احتكاماً إلى الطاغوت وذمَّهم على ذلك. فقد أخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، بسند صحيح عن ابن عباس، قال: «كان أبو برزة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون إليه فتنافر إليه ناس من المسلمين فأنزل الله عز وجل: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك... } الآيات، مما يدل بشكل صريح على أن الرجوع إلى غير الأحكام الشرعية، يعتبر رجوعاً إلى الطاغوت. وقد جاءت إلى جانب الآيات أحاديث صريحة في الدلالة على وجوب التقيد بالأحكام الشرعية، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنه نبيه»[مالك]، كما أن الشرع أوجب رد الاختلاف إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، لا إلى الاتحاد الأفريقي، ولا إلى غيره من منظمات الكفر، يقول الله جل جلاله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}، وقال: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}.

فكيف بعد كل هذا البيان، يُقدم هؤلاء الأفرقاء - وهم مسلمون- على معصية الله ورسوله بالتحاكم إلى الاتحاد الأفريقي وشركائه الدوليين؟

فالمسلم الذي يعصي الله ورسوله يَكِلُه الله إلى نفسه فيصبح متخبطاً في مسعاه، يذل نفسه بإتباعها إلى الكفار الذين يضغطون عليه ليقدم التنازل تلو الآخر فيكون التهديد والوعيد والإذلال، كما حصل داخل مقر المفاوضات في أبوجا بنيجيريا، حيث هدد رئيس الاتحاد الأفريقي من يرفض التوقيع قائلاً: (لقد تقرر منح عشرة أيام مهلة للأطراف التي لم توقع على الاتفاقية، تنتهي في 15 من الشهر الجاري، ثم يحول الملف إلى مجلس السلم والأمن الأفريقي ومنه إلى مجلس الأمن الدولي وأكد تطبيق القرار (1591) واعتبار القيادات التي تحمل السلاح مجرمي حرب وتوقع عليهم عقوبات الحظر والمحاكمات).

إن هذا المنهج الواقعي! القائم على تقديم التنازلات والإرضاءات بالمناصب لكل من يحمل السلاح على أساس جهوي عنصري، وحصوله على مزايا من قسمة السلطة والثروة وتوفيق أوضاع جيوش المتمردين، هذا المنهج يتناقض مع منهج المسلمين لعلاج مشاكلهم، فالمسلم إنما ينطلق في علاجه للمشاكل من عقيدته، أي مبدأ الإسلام. أما هذا المنهج الواقعي فإن من شأنه:

- التكريس والاعتراف بحالة الانفصال على الأساس الجهوي، أي بوصف هذه المجموعة السكانية، التي يزعم المتمردون من رعايا الدولة تمثيلها، شعباً مختلفاً، سواء عاجلاً أم آجلاً، يجب أن يستقلوا عن الآخرين، مما يمزق البلاد.
- إثارة النعرات القبلية العنصرية، كما ظهر ذلك في المذكرة التي رفعها مجلس شورى (18) قبيلة عربية ترفض فيها الاتفاق الموقع.
- إضعاف الجيش مقابل جيوش أخرى كما في حالة اتفاق نيفاشا، أو بإدماج جماعات التمرد ـ الموالية لقياداتها ـ في الجيش، كما نص الاتفاق على ادماج (4.000) من المتمردين في الجيش، لا يسمح بتسريحهم أو نقلهم خارج دارفور خلال خمس سنوات من توقيع الاتفاق.
- تمزيق البلاد من خلال تشجيع رعايا الدولة على حمل السلاح لأنه أسهل السبل لرفع الظلم وتحقيق المطامع الشخصية.
إن “قضية دارفور” قضية جزئية مثلها مثل باقي قضايا المسلمين المتمثلة في احتلال أراضيهم ونهب ثرواتهم، وإفقارهم وإدخالهم في صراعات فيما بينهم وغيرها من القضايا الجزئية التي نشأت عن غياب قضية المسلمين الكلية المصيرية التي هي، تطبيق احكام الإسلام بالعيش في ظل دولته التي تجعل السيادة للشرع، فلو كان الإسلام هو المطبق في:

- رعاية شؤون الرعية بالعدل والإحسان، لما كان الإحساس بالظلم والغبن، والحديث عن التهميش.
- تحديد العلاقة بين المسلم وأخيه المسلم على أساس الاخوّة الإسلامية، لما كانت العصبيات من القبلية والجهوية وما يسمى بتهتك النسيج الاجتماعي المتمثل في التمزيق على أساس هذه العصبيات، بل لكان انصهار الناس في أمة واحدة كما هو حال هذه الأمة عندما احتكمت إلى الإسلام، يشهد بذلك تاريخها.
- النظرة إلى الأرض في دارفور بوصفها أرضاً خراجية رقبتها ملك لبيت مال المسلمين ومنفعتها لأهلها يتملكها الإنسان للسكن أو للزراعة، ولا تتملكها القبائل بوصفها دوراً لها (حواكير) تقاتل من يدخلها عليها، إذ الأصل في المراعي أنها ملكية عامة ينتفع بها من سبق إليها.
- موضوع الحكم، لكان الحاكم خليفة للمسلمين تبايعه الأمة؛ كل الأمة؛ بالرضا والاختيار، لا يعتد بقبيلته ولا جهته، وإنما بتقواه وتطبيقه للشرع، فلا يرد حينئذ من يقسم الدولة إلى دويلات؛ ولا من يحدد حدود هذه الدويلات؛ ولا غير ذلك، لأنها تكون دولة واحدة لأمة واحدة.

إن الذي أوصل هؤلاء الافرقاء الذين يزعمون أنهم أولياء أمورنا إلى هذه الحالة من المعصية بالتحاكم إلى الطاغوت، هو نفس الذي أوصلنا نحن المسلمين إلى نفس الحالة من المعصية، بالسكوت على منكرهم، فالاسلام جعل من يرضى بتقصير الحاكم ويتابعه مسؤولاً أمام الله لا يسلم من عقوبته. روى مسلم عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سَتَكُونُ أُمَرَاءُ. فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ. فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ. وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ. وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ” قَالُوا: أَفَلاَ نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: “لاَ. مَا صَلّوْا»، وفي رواية أخرى: «فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم؛ ولكن من رضي وتابع»، وهذه الرواية تفسر الأولى، فقوله “فمن عرف بريء”، قال النووي في شرح هذا الحديث: (معناه والله أعلم: فمن عرف المنكر ولم يشتبه عليه فقد صارت له البراءة من إثمه وعقوبته بأن يغيره بيده أو بلسانه فان عجز فليكره بقلبه وقوله “ومن أنكر سلم”؛ أي ومن لم يقدر على تغييره بيده ولسانه فأنكر ذلك بقلبه وكرهه سلم، من مشاركتهم في اثمهم.ولكن من رضي وتابع، اي رضي بفعلهم بقلبه وتابعهم عليه في العمل لم يبرأ ولم يسلم).

أيها المسلمون:
إن الذي أوصلنا إلى هذ الدرك السحيق هو أننا أصبحنا لا نقيم وزناً للأحكام الشرعية في حياتنا، ولا نلاحظها حتى مجرد ملاحظة، مع أن التقيد بالأحكام الشرعية هو أساس الحياة، وهو ثمرة الإيمان وعلى أساسه يجب أن يكون انضباط سلوكنا في الحياة، بل نحن الذين قال الله سبحانه وتعالى فيهم: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}، أي حراساً على التقيد بالأحكام الشرعية. فالواجب علينا جعل الإسلام وحده الأساس في نظرتنا للمشاكل وفي محاسبتنا للحكام.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ }

14 ربيع ثاني 1427هـ
 
حـزب التحريـر
2006/05/13م
 
ولاية السودان
 


إقرأ أيضا:-
﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى: احترام خيار سلوك المفاوضات الدبلوماسية لإنهاء الحرب مع الكيان الصهيوني!
المشاركة في الانتخابات المحلية إقرار بالتنازل عن الأرض المباركة وخيانة لله ورسوله
السلطة اللبنانية غارقةٌ في التآمر، والأولوية عندها الدخول مع يهود في تفاوض مباشر
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً﴾
يا أهل لبنان: حذارِ من مدّ السلطة يدَها للتفاوض المباشر مع كيان يهود!