Aya

1953

HT logo
  adv search
new email def main site arabic
info office misc wilayat books tahleelat lflts  
                 
 
:::

بسم الله الرحمن الرحيم

تطورات قضية أبيي خطوة متقدمة لتفتيت السودان
والإسلام وحده هو العاصم لدماء الناس وسائر حرماتهم

انتهت يوم الخميس 23 ابريل 2009م بمقر هيئة التحكيم الدولية بلاهاي مرحلة المرافعات الشفهية لما يسمى بقضية أبيي بين حكومة السودان والحركة الشعبية، حيث قدّم كل طرف شهوده إلى هيئة التحكيم التي رفعت جلساتها لتنطق بالحكم في 22 يوليو 2009م.

إن منطقة أبيي الواقعة شمال بحر العرب شكلت نموذجاً طيباً للتعايش بين قبائل دينكا نقوك والمسيرية الحمر (العجايرة) والرزيقات والبرقو والبديرية والداجو والفلاتة والمعاليا، بل إن اكبر قبيلتين في أبيي - المسيرية والدينكا- ربطت بينهما علاقة مصاهرة وظلوا يعيشون في سلام، ويحلون ما بينهم من مشاكل عبر الإدارة الأهلية، التي تفتح المسارات للرعاة وتدفع الديات، لذلك لم تكن ثمة مشكلة في منطقة أبيي.

أبرز اتفاق نيفاشا الموقع في العام 2005م؛ وهو الاتفاق الذي قضى بفصل جنوب السودان عن شماله، أبرز قضية أبيي، فنشأ الحديث حول تبعية المنطقة هل تتبع لولاية جنوب كردفان شمالاً أم تتبع لولاية بحر الغزال جنوباً، بل إن هذا الاتفاق المشؤوم شكّل خارطة طريق لمصالح الغرب الكافر (أمريكا وأوروبا) في السودان على النحو الآتي:

• إقصاء الإسلام والحيلولة دون عودته في الدولة والمجتمع من خلال إرساء دولة ديمقراطية علمانية.
• فصل جنوب السودان بحق تقرير المصير عقب فترة إنتقالية تُبنى فيها مؤسسات دولة الجنوب وجيش قوي رادع.
• تمزيق باقي السودان بسلخ دارفور وشرق السودان عنه استناداً لسابقة فصل الجنوب.

لذلك فإن اتفاق نيفاشا هو سِفْرُ تمزيق السودان، ومن ذلك ما قاله المبعوث الأمريكي السابق للسودان، وأحد مهندسي نيفاشا اندرو ناتسيوس، الذي ذكر في محاضرته بجامعة جورج تاون بواشنطون في أبريل 2009م: [إن هدف الولايات المتحدة والمجتمع الدولي هو فصل الجنوب سلمياً في عام 2011م  (موعد الاستفتاء على حق تقرير المصير)، ثم بعد ذلك الشروع في حل مشكلة دارفور (أي فصلها)]. وهنا تسقط الدعاوى الساذجة حول الوحدة الطوعية الجاذبة، وأن أمريكا لا تريد فصل جنوب السودان، فلماذا إذن ضمّنت الاتفاق حق تقرير المصير المفضي حتماً للانفصال؟ وتسقط كذلك دعاوى تحقيق السلام الشامل وحقن الدماء، فلماذا إذن فُتحت جبهات قتال أخرى في دارفور وأبيي؟!

إن ما يسمى مشكلة أبيي اتخذت منحىً خطيراً عندما طُرحت أثناء مفاوضات نيفاشا وأثارت خلافاً حاداً بين الحكومة وحركة التمرد، وظل ملفها عصياً على الحل، يُرحّلُ من جولة إلى أخرى إلى أن أصبح الملف الأخير، مما حدا بالمبعوث الأمريكي السابق (جون دانفورث) أن يفرض على الطرفين رؤيته للحل التي قُدمت تحت ما يسمى بالورقة الأمريكية في مارس 2004م، وهدّد دانفورث الطرفين في حال رفضهما قائلاً: (إن الإدارة الأمريكية تحمل المسؤولية في انهيار المفاوضات لأي طرف يعوق مسيرة السلام). صيغت الورقة الأمريكية وسميت بروتوكول أبيي الذي اصبح جزءاً من اتفاق نيفاشا، ومن أخطر ما ورد في هذا البروتوكول هو إجراء إستفتاء في العام 2011م يحدد تابعية المنطقة جنوباً أم شمالاً، يصوّت فيه سكان أبيي، علماً بأن البروتوكول لم يحدّد ما هي حدود أبيي، بل ترك ذلك للجنة من الخبراء على رأسها سفير أمريكي سابق، قدمت هذه اللجنة تقريرها في عام 2005م اعتمدت فيه حدود أبيي بأكثر من (100كلم) شمال بحر العرب في منطقة واسعة بها 70% من حقول البترول المنتج حالياً، حيث جاء في التقرير: [إن لجنة الخبراء لم تستطع أن تحدد حدود عام 1905م التي تم بموجبها اتباع تسع مشيخات من دينكا نقوك إلى الشمال، ولكن لجنة الخبراء اقترحت من جانبها حدوداً جديدة على الخط 10/22 درجة عرضاً]. فرفضت الحكومة هذا التقرير. ثم نشأت اشتباكات عنيفة في أبيي في ديسمبر 2007م نتيجة للاحتقان والاستقطاب الحاد في المنطقة بين الحكومة وحكومة الجنوب، ثم تجددت الاشتباكات العنيفة قي 13/05/2008م حيث قُتل العشرات وهُجّر حوالى (50) ألف من منازلهم، حيث أصبحت المنطقة خراباً بل أصبحت مدينة أشباح كما وصفتها الأمم المتحدة. على اثر ذلك في 08/06/2008م اتفقت الحكومة وحكومة الجنوب على إحالة النزاع حول حدود أبيي وتقرير الخبراء إلى هيئة التحكيم الدولية بلاهاي، حيث ورد في الاتفاق: [يلجأ الطرفان إلى التحكيم في لاهاي، ووفقاً لقواعد محكمة التحكيم الدولية والأعراف الدولية المرعية]. حيث استمعت هيئة التحكيم في الفترة (18- 23) ابريل 2009م إلى شهادات شهود الطرفين.

هذه هي تطورات ما يسمي بقضية أبيي، ويتضح منها: أن قضية أبيي هي قضية صعدتها أمريكا بورقة جون دانفورث، وعقّدتها لجنة الخبراء التي يرأسها السفير الأمريكي الأسبق، ولن تحل بقرار لجنة التحكيم الغربية.

وإن هذه المشكلة انشأت لتحقيق هدفين:

أولهما: إن الدولة الجهوية التي أنشئت في جنوب السودان يُراد منها أن تضم كل أهل الجنوب لذلك لا بد من إدخال المنطقة التي يعيش فيها دينكا نقوك داخل حدود هذه الدولة ولو كانوا يعيشون شمال نهر بحر العرب.

ثانيهما: إدخال هذه المناطق الغنية بالبترول داخل حدود هذه الدولة حتى تشكل مصدراً يمكن من بنائها بشكل سريع، حيث ان هذه المنطقة وحدها تنتج 70% من البترول المصدر حالياً.

من كل ذلك نخلص إلى أن هذه المشكلة ما كانت لتوجد لولا مخطط فصل الجنوب الذي حتّم تحديد الحدود والصراع على الثروات.

إن حل هذه المسألة المسماة بقضية أبيي لا يكون إلا بالآتي:

أولاً: إن المشكلة ليست كما تصور لنا الآن من أنها خلاف حول حدود أبيي، فأبيي بأي حدود وأي مساحة ليست مشكلة بأن تتبع إدارياً للشمال أو للجنوب، ولكن المشكلة الحقيقية هي أن الجنوب سيصبح دولة أخرى، هذا الأمر يحتم علينا نبذ اتفاق نيفاشا الذي سوف تكون ثمرته تفتيت السودان، ولا نلقي بالاً لدعاوى الوحدة الطوعية التي يرددها العاجزون.

ثانياً: إن المشاكل لا  يلتمس علاجها من الواقع الفاسد الذي هو المشكلة بعينها، بل يلتمس العلاج من الفكر السياسي المبدئي، ولما كان مبدأ الإسلام العظيم هو أعلى فكر سياسي مبدئي؛ إذ هو من خالق البشر: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} كان حرياً بنا نحن المسلمون الذين أكرمنا الله سبحانه وتعالى بنعمة العبودية له أن لا نأخذ معالجاتنا لمشاكلنا من جون دانفورث أو تقرير الخبراء الكفار أو هيئة التحكيم الدولية، بل نأخذ معالجاتنا من خالق البشر رب العالمين محققين لمعنى العبودية، يقول تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا}، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ». كما أن جعل الإسلام وحده هو الحل لكل مشاكلنا هو الذي يخرجنا من التناقض المزري الذي دخلنا فيه عندما رفضنا قرار المحكمة الجنائية الدولية بوصفها طاغوتاً لا يجوز التحاكم إليه، ثم رفعنا أمر أبيي إلى محكمة تحكيم دولية هي أيضاً طاغوت، {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}.

ثالثاً: إنه ومن خلال دراسة أحكام مبدأ الإسلام العظيم، وباستقراء تاريخ الإنسانية، ليس هناك مبدأ يعيش فيه الناس حياة آمنة مطمئنة متحابين متآلفين لا تفرقهم الجهويات ولا العصبيات ولا القبليات، تقوم دولتهم على مبدأ الرعوية فتحسن رعاية شؤون الناس المسلم وغير المسلم كما يرعى الأب أبناءه في البيت، فتضمن لهم جميعاً إشباع حاجاتهم الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، وعلاج وتعليم وأمن، وتسعى لتمكنهم من اشباع حاجاتهم الكمالية، ليس هناك مبدأ يحقق ذلك غير مبدأ الإسلام العظيم ودولته دولة الخلافة الراشدة.

رابعاً: إن النظرة للأرض يجب أن تؤسس على العقيدة الإسلامية لا على أساس اتفاق نيفاشا أو القانون الانجليزي أو الوثائق البريطانية ولا على أساس أي القبيلتين أسبق في المنطقة المسيرية أم الدينكا. فأرض السودان كلها أرض خراجية تملك الدولة رقبتها ويملك الأفراد منفعتها إما للسكن أو للزراعة أو لغير ذلك. أما الأحراش والمراعي والغابات فهي ملكية عامة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلاثٍ فِي الْمَاءِ وَالْكَلأِ وَالنَّارِ». لذلك فإن الأرض ليست ملكاً للقبيلة بل يتملكها الفرد، أي فرد من أي قبيلة بالأسباب الشرعية اما للسكن أو للزراعة أو لغيرها، ولا توجد شرعاً ملكية قبيلة للأرض، لذلك فإن سبق القبيلة في مكان ما لا يعطي إلا أفرادها حقوقاً في المساحة التي امتلكوها بالأسباب الشرعية وانتفعوا بها فعلاً، لذلك لا يرد السؤال لأية قبيلة هي أبيي: أللدينكا أم للمسيرية، فهذا سؤال خطأ.

خامساً: إن الثروات الباطنة الكثيرة التي هي من قبيل المعدن العِد الذي لا ينقطع في منطقة أبيي وفي غيرها قضى الإسلام بأنها ليست ملكاً لأهل المنطقة، بل هي ملكية عامة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي »عَنْ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَقْطَعَهُ الْمِلْحَ فَقَطَعَ لَهُ فَلَمَّا أَنْ وَلَّى قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمَجْلِسِ أَتَدْرِي مَا قَطَعْتَ لَهُ إِنَّمَا قَطَعْتَ لَهُ الْمَاءَ الْعِدَّ قَالَ فَانْتَزَعَهُ مِنْهُ»، فكون الرسول صلى الله عليه وسلم  صلى الله عليه وسلم يسترجع من أبيض بن حمال ما أقطعه إياه من ملح بعد أن عرف أنه كثير لا ينقطع دليل على أن المعدن العد؛ أي الكثير غير محدد المقدار الذي لا ينقطع لا يجوز أن يملّك للأفراد لأنه ملك لعامة الناس.

إن الذي يضع هذه الأحكام العادلة موضع التطبيق والتنفيذ فيتحول حالنا من بؤس وشقاء وتعاسة واحتراب واقتتال، إلى سعادة وطمأنينة وأمن إنما هو دولة الخلافة الراشدة التي تعيد الإسلام حياً في حياتنا. فلسعادة الدارين وخيري الدنيا والآخرة ندعوكم أيها الناس.

{فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى . وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا}

08 جمادى الأولى 1430هـ
 
حزب التحرير
2009/05/03م
 
ولاية السودان
 


إقرأ أيضا:-
عودٌ على بدء... خصخصة ميناء بورتسودان الجنوبي خيانةٌ لأمن البلاد وتفريطٌ في مواردها وتشريدٌ للعباد
نداء من حزب التحرير / ولاية السودان إلى رواد المساجد؛ بيوت الله في الأرض
لا جديد في السياسة الأمريكية الأخيرة بشأن أفريقيا!
هل تطلب الحماية من النظام أم من الله؟
موازنة العام 2019 ولدت من رحم النظام الرأسمالي فلن تورث إلا الفقر وضنك العيش