|
عقد حكام الدول العربية مؤتمر قمتهم الثامن عشر يوم الثلاثاء 28/3/2006، وانفضّ في اليوم نفسه، لكنه مدِّد (هامشياً) إلى الأربعاء 29/3/2006، لأن يوماً واحداً لَم يكف ليخطبوا كلهم علناً في الجماهير!
أما قراراته فكان وزراء خارجيتهم الذين اجتمعوا يوم السبت والأحد 26،25/3/2006، كانوا قد جهَّزوا لهم نصوصاً اختاروها مكررةً من قرارات القمم السابقة مع بعض الرتوش المناسبة لتاريخ القمة الحالية، مؤكدين فيها ما تمليه الدول الكبرى النافذة.
إن القضايا الرئيسة التي ذكروا أسماءها في مؤتمرهم هي: فلسطين، العراق، سوريا ولبنان، ودارفور السودان، ثم أضافوا على استحياء ما يتعلق بالإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
أما فلسطين فجعلوا بلسمَ حلِّها المبادرةَ العربية في قمة بيروت 2002، أي الاعتراف بدولة يهود في معظم معظم فلسطين مقابل دولة بل شبه دولة في بعض بعض فلسطين، وهم بهذا نقلوا القضية من احتلال يهود لفلسطين، الأرض المباركة، إلى جزء منها احتل في 1967، وهذه جريمة عند الله ورسوله والمؤمنين.
وأما مشكلة (سوريا ولبنان) فقد رفض المؤتمرون إدراجهما معاً على طاولة بحثهم وهم يعلمون أن المشكلة متداخلة بين البلدين، ولا يمكن حل واحدة بمعزل عن الأخرى، حيث إن أمريكا هي التي (وَكَّلَتْ) سوريا بلبنان منذ اتفاق الطائف، وإنَّ أمريكا كانت الآمرَ الناهي في البلدين منذ ذلك التاريخ، والآن تنازعها أوروبا (فرنسا بريطانيا) في النفاذ إلى البلدين، والصراعُ لَم يُحسمْ بعدُ، بين أمريكا وأوروبا حول سوريا ولبنان. ولهذا لَم يؤذن لأصحاب القمة أن يدرجوا مشكلة (سوريا ولبنان) إلى أن يفرغ المتصارعون من الاتفاق على الحل الذي يريدون.
وأما دارفور السودان، فقد أقرّوا دعم قوات الاتحاد الإفريقي بتمويلها مالياً مدة ستة شهور، اعتباراً من تشرين أول 2006، أي بعد انتهاء تمديدها الحالي في أيلول 2006، وهذا ما كانت أمريكا قد اتفقت عليه مع حكومة السودان، فهي تريد استمرار قوات الاتحاد الإفريقي شهوراً إلى أن تنتهي التجاذبات حول قوات الأمم المتحدة بين أمريكا وأوروبا (بريطانيا وفرنسا) وذلك لأن أوروبا تُكثِّف ضغطها لتكون القوات من دول تابعة لها لتجد لها رأسَ حربة في دارفور تعوِّض إقصاءها عن جنوب السودان، حيث تولت أمريكا الأمرَ كلَّه في الجنوب. وعندما تحسم أمريكا أمر قوات الأمم المتحدة فستوافق حكومة السودان على إدخالها، وينتهي الدور الأساس للاتحاد الإفريقي في السودان. وقد تَحقَّقتْ لأمريكا المهلة التي أرادت بإقرار دعم قوات الاتحاد الإفريقي، حيث كانت المشكلة في بقاء تلك القوات هي التمويل المالي.
وأما العراق فما ورد في القرار لا يعدو كونه تلاعباً بالألفاظ، لا يسمن ولا يغني من جوع، فهم يعلمون أن أساس المشكلة هو قوات الاحتلال، ومع ذلك فقد لفّوا وداروا مبتعدين عن تقرير نصرة الشعب العراقي في مقاومته لإزالة قوات الاحتلال، وذكروا بدلاً من ذلك التضامن مع شعب العراق «لتشكيل حكومة عراقية لتسريع انسحاب القوات الأجنبية»! وهل لحكومةٍ في ظل الاحتلال أن تملك إخراجَ قوات الاحتلال إخراجاً حقيقياً؟
أما ما جاء في قررارتهم من موضوع رفض المساس بالأديان، إشارةً إلى الإساءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو تسجيل موقف باهت لَم يَرْقَ إلى أدنى الحد الأدنى، كأنْ يقرروا سحب سفرائهم احتجاجاً أو طلب اعتذار رسمي، لكن كيف يطلبون، وهم يحاربون رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقصاء الدين الذي جاء به من ربه سبحانه، عن الدولة والحياة والمجتمع؟!
أيها المسلمون
إننا ندرك، بل والحكام أنفسهم يدركون، أنهم لا يملكون حلاًّ ولا قراراً، بل لا يُسمح لهم بذلك، فهم تَبَعٌ في قراراتهم للقابعين هناك في عواصم الكفار المستعمرين، ولو أنهم يصارحون الناس بحقيقة كونهم يرددون إملاءاتٍ ترد إليهم من أصحاب القرار لكانوا يحترمون أنفسهم، فرحم الله امرءاً عرف قدر نفسه. ولو أنهم لَم يتجَشَّموا المشاق! في سفرهم وأكلهم وشربهم ونومهم، لَتَمَّ توفير أموال الخزينة التي جُمعت من عرق الناس وجهدهم من ضرائب تثقل كاهلهم عاجلاً، أو على شكل قروض تثقل كاهلهم آجلاً.
أيها المسلمون
إن واقع الحكام ملموس محسوس لديكم، ومؤتمرات قممهم شاهد عليهم فلم يُنقِذوا قضيةً من الغرق بل زادوها غرقاً، حتى إن أعداء الأمة ينتهكون الحرمات والمقدسات، والحكام يزدادون منهم قرباً وحباً!:
فأمريكا تحتل العراق وغير العراق، وترتكب من الجرائم الوحشية ما تنأى عنه وحوش الغاب، وعلاقات هؤلاء الحكام مع أمريكا في أحسن حال،
ودولة يهود تحتل فلسطين من النهر إلى البحر، وغير فلسطين، وتعيث في الأرض المباركة الفساد والإفساد، وعلاقات هؤلاء الحكام معها (عال العال)،
والجيوش تُعدّ لحماية البلاد والعباد، وهم يعدّونها للمراسم والتوديع والاستقبال،
والأجهزة الأمنية تُعَدّ لحفظ أمن البشر، وهم يُعِدّونها لجلد ظهور البشر،
والأصل في عمل الحاكم أن يرعى شئون الرعية، ويحفظ مصالحها، ويَصُدَّ عنها أعداءها، وهم يَغُشّون الرعية، ويُفَرِّطون في مصالحها، ويُسْلِمونها لأعدائها.
ويا ليتهم يعترفون بأنهم يخونون الأمة، ويكذبون عليها ويُضَلِّلون، لقلنا جاءوا ببعض الخير فالاعتراف بالذنب فضيلة، لكنهم يجعلون الخيانة أمانةً، والكذب والتضليل صدقاً و(وطنيةً)، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ قِيلَ وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ قَالَ الرَّجُلُ التَّافِهُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ» رواه ابن ماجه.
لقد أهلك هؤلاء الحكام الحرث والنسل لفظاعة ما يصنعون: عَطَّلوا شرع الله فلا يحكمون به، وعَطَّلوا الجهاد فمنعوا الجيوش من قتال الأعداء، ووالَوْا أعداء الله، وجعلوا البلاد مستباحةً لهم، يسرح سفراؤهم فيها ويمرحون، أمنياً وسياسياً كأنهم المندوب السامي أو الأسمى، ولاحقوا بالاعتقال والاغتيال كل ناطق بالحق وداعٍ إلى الخير، ومَكَّنوا الكفار المستعمرين بزعامة أمريكا وأحلافها بريطانيا ويهود ... من رقابنا وأعراضنا وثرواتنا،
وكل هذا يجري، وأنتم أيها المسلمون، تشهدون وتسمعون ولا تتحركون، كأن الأمر لا يحدث في بلادكم، ولا تنطق به مؤتمرات حكامكم، علماً بأنهم يُظهرون للعالم أنهم باسمكم يتحدثون، ومن أجل قضاياكم يجتمعون! إنهم يمسخون الأمة، وقضايا الأمة، بما يعلنونه من (قرارات)، وما يُسِرّونه أدهى وأكبر، فحرامٌ أن لا تتحركوا لتغييرهم، وإيجاد الحاكم المخلص لربه ودينه وأمته الذي يعيد للإسلام عِزَّه وللأمة مجدها، وتعودوا كما كنتم خير أمة أخرجت للناس.
أيها المسلمون
إن حـزب التحريـر يستصرخكم ويستنفركم، فالمآسي التي تصيب الأمة بظلم حكامها في ازدياد، وهي في وقوعها لا تصيب الظالمين فحسب بل الساكتين على الظلم كذلك، وأنتم ترون ذلك وتشاهدونه {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}.
فاللَّهَ اللَّهَ، أيها المسلمون، في أمتكم فأعيدوها خير أمة أخرجت للناس،
والله الله، أيها المسلمون، في قضاياكم، فتوَلَّوْا أنتم حلَّها لا أعداؤكم،
والله الله، أيها المسلمون، في أعناقكم، فحرِّروها من العملاء الظالمين، وأكرموها ببيعةِ حقٍّ وفضل، لخليفةِ رُشْدٍ وعدل، يقيم فيكم كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويُتَّقى به ويُقاتَل من ورائه، ويَقطع دابرَ أعداء الله.
{وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}.
|