|
تم في يوم الأربعاء 03/01/1422هـ الموافق 28/03/2001م الانتهاء من عقد مؤتمر القمة الرابع والعشرين بدءاً من مؤتمر قمة القاهرة الأول الذي انعقد بتاريخ 13- 17/01/1964م.
لقد صدر عن المؤتمر بيان ختامي اشتمل على اثنين وخمسين بنداً، وبعد الاطلاع على هذا البيان وما سبقه من بيانات منذ المؤتمر الأول، فإن المرء لا يحتاج إلى تحمل عناء البحث والتحليل أو إلى مزيد من التحري والتدقيق ليستنتج أن حكام العرب قد فرطوا بمصالح الأمة المصيرية وخانوها وأنهم يستحقون الخلع والمحاسبة القارصة على ما اقترفوه.
كان المؤتمر مؤتمراً دورياً بمعنى أنه لم يُعقد من أجل مناسبة بعينها وإنما لغرض أساس في نفس المؤتمرين وهو تكريس دورية الانعقاد التي أقرها مؤتمر القاهرة الأخير المنعقد في 12- 22/10/2000م.
لقد تمخض المؤتمر عن قرارات صيغت بألفاظ خالية من أي مضمون ذي أثر في تحرير فلسطين أو إنقاذها من أيدي يهود، بل هي تحمل في طياتها تكريسَ كيان يهود خنجراً في بلاد المسلمين، وإضفاءَ الشرعية على اغتصابه لفلسطين وجرائمه الوحشية المستمرة التي تزايدت حتى وهم مجتمعون مؤتمرون.
صحيح أننا لم نفاجأ بقرارات مؤتمرهم لمعرفتنا التامة بمدى تبعية هؤلاء الحكام للغرب الكافر، وتسارعهم للاعتراف بكيان يهود، ولم تأخذنا الدهشة لجرأة هؤلاء الحكام على تفريطهم في مصالح الأمة دون أي اعتبار لها، ولكننا نتساءل: إلى متى يظل المخلصون القادرون ساكتين على كل هذا؟ هل رضوا بعَرَض زائل من حكامهم والكفار من ورائهم؟! وهل ارتضوا بسخط من الله عوضاً عن رضاه؟! {إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحيوة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن ءاياتنا غافلون ، أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} هل نسوا أو تناسوا مسئولياتهم تجاه أمتهم ؟!
إن الحكام لم ينسوا التأكيد على خيانتهم في هذا المؤتمر وذلك بالإشارة إلى مؤشرات بالغة الخطورة وردت في بيانهم مكررة عن بيانات سابقة، إذ إن القول «يؤكد القادة على تمسكهم بقرارات مجلس الأمن المتعلقة بمدينة القدس وخاصة قراراته 252 (1968م) و267 و465 (1980م) و478 (1980م) لقد أكدت بطلان كافة الإجراءات التي اتخذتها وتتخذها إسرائيل لتغيير معالم هذه المدينة...» هذا القول فيه تفريط بالقدس وتنصل صريح من مسئوليتها، إذ إن في مثل هذه الأقوال إطلاقاً ليد مجلس الأمن أي للطاغوت للتصرف في موضوعها، وتمريراً خبيثاً للمخططات الكافرة المتعلقة بها. إذ إنه ومع كثرة القرارات التي صدرت بشأنها منذ عام 1947م وإلى يومنا هذا فلا يوجد قرار واحد ينص على أنها من حق المسلمين أو أنها تعود إليهم بعد أن سلمها حسين حاكم الأردن السابق لليهود عام 1967م؛ ومن هنا فإن تمسك حكام العرب بقرارات مجلس الأمن المتعلقة بشأنها وتأكيدهم على ذلك بأكثر من مؤتمر قمة ليدل على الخبث الذي يمارسه هؤلاء الحكام بحقها. وهنا تساؤل: لقد مضى على تسليم القدس ما يزيد عن الثلاثين عاماً، فما هو الذي صنعه الحكام طوال هذه المدة لاسترجاعها من سيطرة اليهود؟ والجواب، كما هو ظاهر: لا شيء، فقد تنصلوا من مسئوليتها تحت هذه العبارات الخبيثة ، كما تنصلوا قبلها من مسئولياتهم تجاه فلسطين التي سلم الإنجليز قسما منها لليهود عام 1947م وقام حسين بتسليم ما تبقى منها عام 1967م.
ومما تجدر ملاحظته في البيان هو التخلي الصريح عن مسئوليتهم تجاه أهل فلسطين، حيث ورد ما نصه: «يؤكد القادة مجدداً مطالبتهم لمجلس الأمن بضرورة تحمل مسئولية توفير الحماية الدولية اللازمة للشعب الفلسطيني... وتشكيل قوة دولية لهذا الغرض...» هكذا وبكل وقاحة وصلافة يتم التخلي عن المسلمين في فلسطين من جانب من يسميهم الغرب بزعماء العرب، يطلبون لهم الحماية من أعضاء مجلس الأمن، من الأمريكان أو من الإنجليز أو من الفرنسيين أو من الروس، أي من الأعداء الفعليين للمسلمين الذين هم السبب الحقيقي في كل الويلات التي عانى المسلمون منها منذ قرون والى وقتنا الحاضر؛ والذين من المفترض أن يكون الخلاص من سيطرتهم وتسلطهم هو الموضوع الأساسي في مناقشات القمة إلى جانب البحث والاستعداد لقيام الخلافة الإسلامية. إنه ومهما حاول حكام العرب وباقي حكام المسلمين من وضع الحواجز وحفر الخنادق بين شعوب الأمة الإسلامية بالوطنيات والقوميات فلن يفلحوا وسيظل أبناء هذه الأمة جسداً واحداً من إندونيسيا في أقصى الشرق إلى المغرب غربا، رغم أنف الأعداء والمنافقين. والفلسطينيون هم مسلمون من شعوب الأمة الإسلامية؛ وفلسطين كلها من البحر إلى النهر أرض إسلامية؛ يجب على المسلمين أن يحرروها من حكم اليهود ولو كلفهم ذلك ملايين الشهداء.
إن مؤتمرات القمة العربية مؤتمرات خيانة وتآمر، وكانت فكرة عقدها من أخبث وأخطر الأفكار التي أعطاها الغرب الكافر لعملائه في المنطقة العربية منذ أواسط القرن الماضي؛ وقد كان مفعولها مدمراً بالنسبة لقضية فلسطين، وهي في الأساس وجدت من أجل تصفية هذه القضية التي استعصت تصفيتها بعد قيام الكيان اليهودي عام 1948م.
لقد كانت أول وأخطر قرارات مؤتمرات القمة وبخاصة مؤتمر القاهرة 1964م، مؤتمر الرباط 1974م، أن أزالت الصفة العربية عن قضية فلسطين بعد أن أزيلت عنها الصفة الإسلامية، فقررت هذه المؤتمرات إنشاءَ منظمة التحرير الفلسطينية وجَعْلَها الممثل الوحيد لفلسطين لتتولى أمر فلسطين بحجة تحريرها من يهود بأيدي الفلسطينيين، ثم انتهى الأمر إلى أن وقعت هذه المنظمة اتفاقية أوسلو مع يهود وتنازلت بموجبها عن فلسطين المحتلة 1948م وبدأت تفاوض يهود بذلّة حول ما احتل في 1967م والذي لا يتجاوز خُمس مساحة فلسطين، ثم بعد ذلك رضوا بأجزاء من هذا الخمس ولم يَرْضَ بذلك يهود، زيادةً في الإذلال والهوان.
ثم توالت قرارات هذه المؤتمرات فكان مؤتمر فاس 1982م الذي أقر مشروع فهد حول شروط سلام العرب والفلسطينيين مع يهود والاعتراف بكيانهم، ثم جاء مؤتمر الجزائر 1988م والدار البيضاء 1989م حيث تمت المطالبة فيهما بعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط لبحث الاعتراف العلني بكيان يهود. والذي توج فيما بعد بمؤتمر مدريد 1991م. ثم توالت الاتفاقيات المعلنة مع يهود وقبل هذا، وبعد هذا، المفاوضات الرسمية، السرية والعلنية، بين الدول العربية وكيان يهود.
إن المدقق في جميع مؤتمرات القمم الأربع والعشرين يجد أن قراراتها كانت تآمراً على فلسطين وتنازلاً عن معظمها وتثبيتاً لكيان يهود وتشجيعاً له على الغطرسة والتمادي في جرائمه. وعليه فإن عقد هذه المؤتمرات أو الترويج لها هو خيانة لله ولرسوله ولجماعة المؤمنين وهي لا تتمخض إلا عن تحقيق مصالح الغرب الكافر ويهود.
أيها المسلمون: إن مجرد وجود مؤتمرات حكام ضمن الأمة الواحدة هو دليل شرذمة وتمزّق. فبدل أن يكون العرب نيّفاً وعشرين دويلة، وبدل أن يكون المسلمون نيّفاً وخمسين دويلة يجب أن يكونوا دولة واحدة لأن الله يوجب ذلك. وإن وجود هؤلاء الحكام العملاء الرويبضات في سدة الحكم هو بحد ذاته من مصائب الأمة، فيجب شرعاً على المسلمين الإطاحة بهؤلاء الحكام، وتنصيب خليفةٍ واحدٍ يحكم بما أنزل الله ويوحد الأمة الإسلامية، عرباً وغير عرب، على كتاب الله وسنة رسوله. ويعلن الجهاد لإنقاذ المسلمين وبلادهم وثرواتهم من الكفار المعتدين، ويقتلع كيان يهود من جذوره، ويحمل رسالة الإسلام للعالم. وبذلك يتخلص المسلمون من مؤتمرات العملاء ومن التمزق ومن الكيان اليهودي ومن هيمنة الدول الكافرة المستعمرة.
{إِنْ تَنْصُرُوا الله يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} .
|