|
إن مسألة انتخاب وترشيح المرأة للمجلس النيابي هي جزء لا يتجزأ من المشروع الأميركي لإصلاح الشرق الأوسط، وإحدى ذرائع الحملة الصليبية على المسلمين، ولا دخل لها بما يسمى (حقوق المرأة السياسية). فأميركا وأوروبا على قناعة تامة، بأن الحل الجذري لإنهاء الصراع بين الإسلام والرأسمالية، هو دمج الأمة الإسلامية بالحضارة الغربية. إلا أن المفاهيم والقيم الاجتماعية عند المسلمين تعتبر من أكبر العقبات أمام دمج الأمة الإسلامية بالحضارة الغربية، في وقتنا الحاضر، لذلك جعلت أميركا المرأة محوراً من محاور الإصلاح في الشرق الأوسط، بقصد شن حملة شعواء، على المفاهيم الاجتماعية، وطراز العيش الاجتماعي عند المسلمين؛ لإزالة هذا العائق من أمام دمج الأمة الإسلامية بالحضارة الغربية. إن مسألة تعليم المرأة، وحقوقها السياسية، ومساواتها بالرجل، في المشروع الأمريكي لإصلاح الشرق الأوسط جاءت مرتكزة إلى الحضارة الرأسمالية. فتعليم المرأة عندهم قائم على فصل الدين عن الحياة، وحقوق المرأة السياسية قائم على الديمقراطية، ومساواة المرأة بالرجل قائمة على مفاهيم الحضارة الرأسمالية للعلاقة بين المرأة والرجل. هذا هو واقع عرض مسألة انتخاب وترشيح المرأة للمجلس النيابي في المشروع الأميركي، وهو جزء من الصراع الحضاري بين الإسلام والرأسمالية، وهدف من أهداف الحملة الصليبية على المسلمين.
أما حكم ترشيح وانتخاب المرأة للمجلس النيابي، فالمجلس النيابي في النظام الديمقراطي يقوم بثلاثة أمور: أحدها أنه يحاسب الحكومة ويراقبها، والثاني أنه يسن القوانين، والثالث أنه يقيم الحكام ويسقطهم. فمجلس النواب من حيث محاسبة الحكومة ومراقبتها ليس من الحكم، ولكنه من حيث سن القوانين وعزل الحكام وإقامتهم يعتبر من الحكم. فيجوز للمرأة والرجل أن يكونا أعضاء في المجلس النيابي إذا كان واضحاً صريحاً في برنامجهما الانتخابي أن دخولهما يقتصر على حمل الدعوة، ومراقبة الحكومة ومحاسبتها لعدم الحكم بما أنزل الله ولارتباطها بالكافر المستعمر، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على المرأة والرجل، وإبداء الرأي حق للمرأة والرجل. أما إذا كان دخول المرأة للمجلس النيابي بقصد المشاركة في أعمال الحكم، من تنصيب وعزل وطرح ثقة ومنح ثقة، فلا يجوز لما رواه الإمام البخاري من طريق أبي بكرة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»، كما أن دخول الرجل للمجلس النيابي بقصد المشاركة بأعمال الحكم، لا يجوز أيضا، لأن أعمال الحكم التي يجوز للرجل المشاركة فيها هي فقط على أساس الحكم بالإسلام وأما في المجلس النيابي اليوم فهي حكم حسب المبدأ الرأسمالي أي حكم بغير ما أنزل الله، والحكم بغير ما أنزل الله لا يجوز، لقوله عز جل: {وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}. كما لا يجوز للمرأة والرجل أن يكونا أعضاء في المجلس النيابي بقصد المشاركة بسن القوانين، لأن القوانين تقر بالأغلبية في مجلس النواب بحسب المبدأ الرأسمالي الذي يقوم على عقيدة فصل الدين عن الحياة، وهذا لا يجوز لأحد من الناس لأنه تشريع من دون الله، لقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا}.
هذا بالنسبة لمن يريد أن يترشح للمجلس النيابي، أما الذي يريد أن يَنْتَخِب فإنه يجوز له أن ينتخِب فقط المرشح الذي يترشَّح لحمل الدعوة، للقيام بدور مراقبة الحكومة ومحاسبتها لعدم الحكم بما أنزل الله، ولارتباطها بالكافر المستعمر، بشرط أن يكون ذلك صريحاً في برنامجه، وفي هذه الحالة يجوز أن تنتخبه المرأة والرجل. فقد أجاز الشرع للمرأة أن تنتخب الحاكم وتبايعه، وأن تختار رجلاً لأي عمل من أعمال الحكم، وأن توكل عنها من تشاء لتمثيل رأيها، فعن أم عطية قالت: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَرَأَ عَلَيْنَا أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا» أخرجه البخاري. وهذه البيعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ليست على الإسلام فهن كن مسلماتٍ بل هي بيعة على الطاعة للحاكم، ولذلك يجوز للمرأة أن تنتخب الحاكم وأن تنتخب من يمثلها في (البرلمان) لمحاسبة الحاكم. أما إذا كان المرشح يريد المشاركة بسن القوانين وأعمال الحكم في المجلس النيابي، فلا يجوز انتخابه لا من قبل المرأة ولا من قبل الرجل، لما نصت عليه القاعدة الشرعية «الوسيلة إلى الحرام حرام».
أيها المسلمون:
إن حقوق المرأة والرجل لا تتحقق من خلال النظام الديمقراطي، ولا المفاهيم الرأسمالية؛ لأن الديمقراطية والحضارة الرأسمالية من صنع البشر، فهي عاجزة عن أن تُحقَّ حقاً أو تدفع ظلماً، لرجل كان أو امرأة. كما أن حقوق المرأة والرجل لا تُمنح من قبل الكافر المستعمر، ولو كان كذلك لما رزحت شعوب الأرض تحت نير الظلم والقهر والاستعباد. ألا ترون ضنك الحياة الذي يعيشـه معتنقو الديمقراطية والمبدأ الرأسمالي، من الشـعـوب الأوروبية والأميركية؟! ألا ترون الشقاء الذي تعيشه الشعوب المقهورة بالديمقراطية والمبدأ الرأسمالي، من شعوب المسلمين وغيرهم من العالم الثالث؟! ولكن الحقوق تتحقق وفق الحضارة الإسلامية للمرأة والرجل، بمفاهيمها الصحيحة وقيمها الراقية، التي ينهض بها الإنسان، وتنظم غرائزه وحاجاته العضوية بطريقة تؤدي به إلى الطمأنينة والسـعادة، وتصـلح له أمر دنياه وآخرته؛ لأنها من خالق البشـر المحيط بما يصلحهم، المنـزه عن النقص والعجز سبحانه وتعالى.
ولكن يبقى أن الحضارة الإسلامية لا تُحقُّ الحقوق وهي مقصاة عن واقع الحياة، وإنما تُحقُّ الحقوق وتعيد الأمر إلى نصابه إذا وُجدت في واقع حياة البشر متمثلة في خلافة راشدة، تطبق كتاب الله سبحانه وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كأنظمة تعالج مشاكل الإنسان، امرأة كانت أو رجلاً. فقد جاء الإسلام لأقوام متناحرين متنافرين متدابرين، يأكل بعضهم حقوق بعض، المرأة عندهم من سقط المتاع. ولكن الله ألف بين قلوبهم حين انضووا تحت لواء الدولة الإسلامية، فصاروا خير أمة أخرجت للناس. فحملوا الإسلام رسالة هدىً ونور، لشعوب مختلفة المعتقدات والثقافات والأعراق، فصُهِرت في بوتقة الإسلام وأصبحت أمة واحدةً وسطاً، تتمتع كلها بالعدل في ظل الخلافة، ولم يشكُ أحد منهم، امرأة كانت أو رجلاً من ظلم الإسلام، أو عدم صلاحيته, أو هضمه لحقوقهم على مر القرون واختلاف البلاد والظروف.
والمؤمن الصـادق الإيمـان، يجـب عليه أن يحكّم شـرع الله، وأن لا يجـد في صـدره ضـيـقـاً من حكم لله، وأن يسلّم بصـلاحـية الحكم الشرعي لجميع شأنه؛ وذلك لقوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء: 65). فإلى العمل مع حزب التحرير لإقامة خلافة راشدة ندعوكم أيها المسلمون، نصلح بها أمر حياتنا ومعادنا، ونُحقُّ بها حقوق المرأة والرجل والناس أجمعين، بتطبيق شرع الله الذي شُرع رحمة للعالمين.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} (الأنفال: 24).
|