|
وقّعت الحكومة السودانية ومتمردو جنوب السودان بنيفاشا ليلة الخميس 27/05/2004م ثلاث اتفاقيات إطارية تتعلق بنسب تقسيم السلطة التشريعية والتنفيذية ـ بين الحكومة والمتمردين وبعض القوى السياسية ـ في المركز ومناطق الجنوب وجنوب النيل الأزرق وجبال النوبة، كما نصت الاتفاقيات على إعطاء منطقة أبيي حكماً ذاتياً يعقبه استفتاء يحدد هل تتبع للشمال أم للجنوب.
إن فكرة تقسيم السلطة التشريعية والتنفيذية باقتسام مقاعد البرلمان والحقائب الوزارية فكرة غريبة عن المسلمين لا تمت إلى الإسلام بصلة، بل هي من أفكار الحضارة الغربية، حضارة فصل الدين عن الدولة التي تجعل التشريع للبشر في البرلمانات، وتجعل الحاكم أجيراً لينفذ تشريع هذه البرلمانات، هذه الحضارة التي تصور السلطة باعتبارها مغنماً يسعى الجميع لامتلاكه، وعندما يحدث التنازع يسعى المتنازعون لاقتسام السلطة بينهم.
إن السلطة في الإسلام إنما هي لتنفيذ الأحكام الشرعية على الناس، لا لتشريع الأحكام، لأن المشرّع هو الله سبحانه وتعالى القائل: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}، من هنا كانت القاعدة أن (السيادة للشرع)؛ وهي بذلك ليست للبشر حتى يقسموها بينهم. أما سلطة تنفيذ الأحكام فهي مسئولية وأمانة، وانها يوم القيامة خزي وندامة، إلاّ من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَلاَ تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَىَ مَنْكِبِي. ثُمّ قَالَ: “يَا أَبَا ذَرَ، إنّكَ ضَعِيفٌ. وَإنّهَا أَمَانَةٌ. وَإنّهَا، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ. إلاّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقّهَا وَأَدّى الّذِي عَلَيْهِ فِيهَا» ، وهي شرعاً للأمة تخوِّلها للحاكم، أي الخليفة بعقد البيعة، روى مسلم عن عبادة بن الصامت قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم، أو نقول بالحق حيثما كنَّا لا نخاف في الله لومة لائم» ، وعن جرير بن عبد الله قال: «بايعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة، وأن أنصح لكل مسلم» ، فالبيعة من المسلمين للخليفة وليست من الخليفة للمسلمين، فهم الذين يبايعونه، أي يقيمونه حاكماً عليهم، وما حصل مع الخلفاء الراشدين أنهم إنما اخذوا البيعة من الأمة. أما جعل الخليفة يأخذ السلطة بهذه البيعة فواضح في أحاديث الطاعة، وفي أحاديث وحدة الخلافة، روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من بايع إماما فأعطاه ثمرة قلبه وصفقة يده فليطعه ما استطاع» ، وعن نافع قال: قال لي عبد الله بن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «مَنْ خَلَعَ يَداً مِنْ طَاعَةٍ، لَقِيَ اللّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لاَ حُجّةَ لَهُ. وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيّةً» ، فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن الخليفة إنما يأخذ السلطة بهذه البيعة. من هنا كانت القاعدة أن (السلطان للأمة) ، لذلك فإن ما تم في نيفاشا من تقسيم سلطة تنفيذ الأحكام بين الحكومة والمتمردين وبعض القوى السياسية هو إعطاء من لا يملك لمن لا يستحق، وهو غير ملزم شرعاً.
أما النص في الاتفاقيات الإطارية الأخيرة هذه على إجراء استفتاء لمنطقة أبيي لتحديد تابعيتها للشمال أم للجنوب، علاوة على وجود أكثر من تشريع وأكثر من جيش فيه دلالة واضحة على نية فصل الجنوب، وهو ما ظللنا نحذر منه.
أيها المسلمون:
لقد أصبح واضحاً لكل ذي بصر وبصيرة، وضوح الشمس في رابعة النهار، أن هذه الاتفاقيات الإطارية بدءاً باتفاق مشاكوس وانتهاءً بهذه الاتفاقيات، إنما هو مخطط تقوده أمريكا وبريطانيا والدول الأوربية يهدف لتمزيق بلادنا ونهب ثرواتنا وإقصاء عقيدتنا والحيلولة دون عودتها إلى حياتنا مرةً أخرى، وإن هذا الغرب الكافر في سعيه لتنفيذ مخططه إنما يقوده حقده على الإسلام والمسلمين وإدراكه أنه ما من أمة تستطيع ان تشدخ يافوخه فتقضي على باطله وتقصيه من حلبة الصراع الدولي وتطارده في عقر داره لتطهر الأرض من باطله غير هذه الأمة الإسلامية، التي باتت تتحرق لعودة الإسلام مرةً أخرى في حياتها، فهي لا تتحدث إلاّ بالإسلام، ولا تتطلع إلاّ لعودة الإسلام، ولا تنقاد إلاّ لمن يتقدم لقيادتها بالإسلام، لذلك فإنه لا قيمة لمن باع نفسه للشيطان ليشهد شهادة زور أملاً في إضفاء الشرعية على مؤامرات الكفار وأذنابهم من الحكام والساسة، إذ لا شرعية لمن خالف الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم .
أيها المسلمون:
لقد حذرْنا مراراً وتكراراً قبل وقوع هذه المؤامرة وإحكام حلقاتها، وكنا، ولم نزل، النذير العُريان المخلِّص للأمة، عسى أن تهبَّ للنهضة فتقيم الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام عزه وللمسلمين مجدهم.
لقد آن الأوان لتتطلعوا بحق إلى الخلافة الراشدة، وتدركوا أنها خلاصكم وعزكم ونهضتكم ومنعتكم، وأن هؤلاء الساسة والحكام المتآمرين أعداء لكم، إن أطعتموهم أضلوكم، وإن عصيتموهم قتلوكم، عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «...ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم إن عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم أضلوكم، قالوا: يا رسول الله، كيف نصنع؟ قال: كما صنع أصحاب عيسى بن مريم نُشِّروا بالمناشير وحُمِّلوا على الخُشُب، موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله» . وهذا دأبهم في كل بلاد المسلمين، فهبوا إلى العمل للخلافة الراشدة التي أمركم الله بإقامتها وبشركم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقدومها «... ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ...» .
|