|
تواجه الدّولة في لبنان أزمة كهرباء زاد في حدّتها مشكلة مستعصية ترزح خزينة الدولة اللبنانية تحت عبئها وتأكل كلَّ محتوياتها، وهي مشكلة إيفاء الديون وفوائدها. وقد صدر قرار عن مؤسسة كهرباء لبنان بزيادة الاشتراكات بنسبة 40% كحلّ للعجز الذي تعاني منه، حيث ارتفعت ديونها إلى أكثر من 4000 مليار ليرة (2600 مليون دولار). وقد تم تجميد هذا القرار من قبل مجلس الوزراء بعدما تم رفض هذه الزيادة من مختلف القطاعات السياسية والحزبية والنقابية والاقتصادية ... وإزاء هذا الرفض الشّامل أعلن رئيس الجمهورية أن: “المسألة تحتاج إلى درس متأن”. ودعا رئيس مجلس النوّاب إلى “فتح ملف الكهرباء وإلى جلاء الحقيقة أمام الرأي العام وتبيان سبب ارتفاع الديون على المؤسسة”. واقترح رئيس مجلس الوزراء زيادة ضريبة القيمة المضافة بنسبة 6% لتصبح 16% مقابل إلغاء بعض الضرائب وتخفيف التوتر بين الناس والدولة. ورفض وزير المالية إعطاء أية سلفة خزينة للمؤسّسة تلافياً لزيادة عجز الموازنة العامّة. وأعلن وزير الطّاقة وبشكل فيه مواربة أن: “الزيادة موقتة لمواجهة أسعار النفط العالميّة، مشيراً إلى الاضطرار إلى التقنين بسبب استهلاك الـ «فيول» كونه يشكل العبء الأساسي وكلفته تمثّل 70% من الفاتورة”.
لقد تراجعت الدولة في لبنان عن الزيادة تحت ضغط التهديد الشعبي بالإضرابات والاعتصامات والمسيرات، من غير أن تستطيع اجتياز هذه الأزمة التي تكلّف الخزينة مبالغ طائلة. ويحتار المسؤولون فيما يكون الحل، مع أن الحل أمامهم. إنهم لا يرونه لأنهم هم المشكلة.
إن قطاع الكهرباء في لبنان كأيّ قطاع اقتصادي آخر له تكاليفه التي من ضمنها تأمين الـ«فيول» ، وله مداخيله التي يفترض أن تغطي التكاليف. وإذا نظرنا إلى تعرفة الكهرباء وما أضيف إليها من إيجار عدّاد وبدل تأهيل وضريبة على القيمة المضافة التي تبلغ 10% من كل ما ذكرنا، فإننا سنجد أن هذه التسعيرة غالية جداً. وهذا من شأنه أن يجعل هذا القطاع مربحاً ومربحاً جدّاً، ومع ذلك فإنه يخسر! فما السبب؟.
إن هذه الضرائب والرسوم الباهظة جعلت من لبنان دولة جباية لا رعاية. وإنّ حلّ أزمة الكهرباء في لبنان يحتاج إلى معالجة صحيحة هي أقرب ما تكون إلى المنال من ناحية نظرية، ولكنّها من النّاحية العمليّة أبعد ما تكون عن التطبيق.
إنّ حلّ أزمة الكهرباء في لبنان يبدأ برفع الظّلم عن النّاس، ويكون ذلك بأن توضع التّعرفة بناء على الكلفة الحقيقية فقط، ويلغى ما أضيف من ضرائب غير مباشرة، لأن في هذا ظلم وأخذ لمال الناس بغير وجه حق. ومع رفع الضّرائب عن تعرفة الكهرباء تصبح الجباية متيسرة، ويصبح في مقدور الناس دفع الفواتير دون إرهاق لهم.
إلاّ أن هذا الحل على بساطته لا يمكن تنفيذه، لأن السّياسيين تحقيقاً لمصالحهم الانتخابية والخاصة، يشجّعون الناس على التعدّيات بتقديم الحماية لهم بَدَلَ أن يحلّوا لهم مشاكلهم الحلّ الصّحيح. ومشكلة السياسيين هذه مزمنة وُجِدَتْ منذ وُجِدَ كيان لبنان الذي ركّبته فرنسا تركيباً طائفيّاً، ما جعل السّياسيين يستغلّون مواقعهم الطائفيّة لتحقيق مآربهم الشخصيّة.
ثم إن استشراء الفساد في إدارات الدّولة ومنها الكهرباء يقف وراءه كذلك السياسيّون، ويجعل كبار الموظّفين محميين لا يطالهم قانون المحاسبة. وكلنا يعرف كيف بدأت بعض قوانين المحاسبة وكيف انتهت، وكلّنا يعرف عندما تتمّ تعيينات الفئة الأولى من الموظّفين، كم تتعرّض هذه التعيينات للتّجاذبات السياسيّة والطائفيّة. بحيث يكون كل مدير عام محسوباً على أحد الرؤساء ومحمياً منه، وعندما تثار أية أزمة تتطلّب المكاشفة والمحاسبة، يصبح اتهامه اتهاماً للّذي عيّنه ويعتبر محسوباً عليه.
ثمّ هناك أمر آخر يدخل على خط أزمة الكهرباء في لبنان بقوّة ويجعلها مشكلة غير قابلة للحل، وهو نية بعض السياسيين الاستفادة من تفاقم هذه المشكل لعرض مؤسسة الكهرباء على البيع، وذلك من ضمن سياسة الخصخصة التي يهيئ لها بعضهم وينتظرونها بفارغ الصبر. وهؤلاء يعلمون أن أزمة الكهرباء تسير نحو التأزّم في غياب المعالجة الصحيحة، ويدفعون الأمور بهذا الاتجاه لتأتي عمليّة الخصخصة طبيعيّة ولتصبح مطلباً شعبيّاً، ولتنال شركات هؤلاء السياسيين نصيب الأسد من الخصخصة.
لذلك فإن الحلول مع وجود مثل هؤلاء السياسيين من مختلف الطوائف هو أبعد من الثريّا، ولا يُنتظر منهم إلا الحلول التسكينيّة من مثل ما يعرض من إعطاء سلفات خزينة أو زيادة “القيمة المضافة” أو ما شاكل ذلك.
إن مشكلة الكهرباء في لبنان سياسية بالدرجة الأولى قبل أن تكون إداريّة أو اقتصاديّة أو ماليّة. والمسألة لا تتعلّق بمشكلة الكهرباء، وإنما فيمن صنع المشكلة، وفي ذهنيّة الحكم العقيمة لدى السياسيين التي تعرف كيف تُوجِدُ المشكلة، ولا تعرف كيف تحلّها. هؤلاء السّياسيون فرض وجودهم تركيبة لبنان الطائفية، حيث تحمي كل طائفة ممثليها ما يجعلهم خارج المساءلة، وحيث يحمي كل زعيم سياسي أتباعه ما يجعلهم خارج المحاسبة أيضاً.
إننا نتوجّه إلى المسلمين في لبنان وغير المسلمين لنقول لهم: إنّ ما بُني على خطأ لا يوَلِّد إلاّ خطأ، وإن هذه المشكلة وكلّ مشكلة تنشأ في لبنان يوجد في الإسلام حل لها، إذ إن أحكامه تتميّز بأنها أحكام إنسانية تعالج مشاكل الإنسان كإنسان بغض النظر عن جنسه ولونه أو حتى دينه. والحكم الشرعيّ في هذه المسألة الجزئيّة هو أن الكهرباء ملكيّة عامّة سواء أكانت تُستعمل طاقة في المصانع حيث ينطبق عليها لفظ “النار” الوارد في حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي رواه إبن ماجه «ثلاث لا يُمنعن، الماءُ والكلأ والنار» ، أم كانت للإنارة حيث إن تمديداتها تمرّ في المرافق العامّة، وكونها من الملكيّة العامّة يعني أنه لا يحوز أن يَدفع المستهلك إلاّ ما تتكلّفه الدولة فعليّاً من تكاليف ماليّة من غير زيادة عليها.
وإن الحاكم في الإسلام مسؤول عن رعيّته من مسلمين وغير مسلمين حيث يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ...» (رواه البخاري). وحكم الله يجري على الحاكم والمحكوم سواء بسواء من غير حصانة للحاكم مهما كان، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أما بعدُ فإِنما أهلَكَ الناسَ قَبلَكم أنهم كانوا إذا سرقَ فيهمُ الشريفُ تركوهُ وإذا سرقَ فيهمُ الضعيفُ أقاموا عليهِ الحدّ. والذي نفسُ محمدٍ بيدِهِ, لو أنّ فاطمةَ بنتَ محمدٍ سَرَقت لقطعتُ يدَهاِ» (رواه البخاري).
فإلى الإسلام وحكم الإسلام ندعو الجميع، ففي أحكامه الحقّ والعدل والإنصاف والانتصاف.
قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأََمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا
بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا}
|