|
بعد أن قدّم وزير المال فؤاد السنيورة مشروع موازنة عام 2004م بنسبة عجز قدره 30.8، فإنّه من المقدّر أن يرتفع الدّين العام في لبنان من 33 مليار دولار في نهاية العام الحالي - حسب حاكم مصرف لبنان رياض سلامة - إلى حوالي 35 مليار دولار في نهاية العام 2004م.
لقد قامت الدولة اللبنانية باقتراض مبالغ هائلة من الأموال اقتراضاً ربويّاً، وهذه المبالغ المُسْتَدانَة بالنسبة إلى عدد السكان، تجعل لبنان من أكبر الدول المستدانة في العالم، وتُرتِّب على الخزينة اللبنانيّة خدمة دين بقيمة تفوق الثلاثة مليارات دولار سنويّاً، وهو مبلغ يعتبر فلكيّاً بالنسبة إلى بلد صغير ذي اقتصاد ضعيف. ولحلّ مشكلة المديونيّة العامّة المستعصية، فرضت الدّولة في لبنان على عامّة النّاس رسوماً وضرائب أدّت إلى سحق الطّبقات الفقيرة، وإرهاق الطّبقات المتوسّطة وإدخال المجتمع في ضيق شديد، ما أدّى إلى تباطؤ الدّورة الاقتصاديّة بشكل مخيف، فأفلس كثير من المؤسّسات والشركات وتوقّفت عشرات المصانع عن العمل وصرفت عمّالها وكسدت المحاصيل الزراعية، ناهيك عن جمود التقديمات الواجبة على الدّولة تجاه النّاس، ووقف عمليّة التنمية.
فماذا فعل المسؤولون الذين أوقعوا البلد في هذا المأزق للخروج منه؟
إنّهم يتعاملون باستخفاف واضح مع هذا الوضع، ويلتهون بخلافاتهم الشّخصيّة، ولا يخجلون من النّاس حين يظهرون أمام الشّاشات قاذفين بعضهم بعضاً بتُهم تُدِينُهُم قبل غيرهم، ويُهَدِّدُون بفتح الملفّات... . ونحن بدورنا نسأل: لماذا لا يقوم هؤلاء السّياسيّون بفتح ملف واحد، على الأقل، من ملفّات السّرقة والنهب التي يسمُّونها “هدراً”، أو الرّشاوى أو السّمسرة بغير وجه حقّ اللّتين يُسمُّونهما “فساداً”؟ ولماذا لا يستردّون المال العامّ المنهوب ويحاكمون ناهبيه؟.. إنّ هؤلاء السياسيّين ليسوا بعيدين عن مسرح الجريمة، بل هم أبطال هذا المسرح، ومتورّطون في جريمتي “الهدر” و”الفساد”.
إنّ هذه الطّبقة السّياسيّة التي يُعتبر وجودها جزءاً لا يتجزّأ من وجود الكيان اللّبنانيّ، عاملٌ رئيس في تأزُّم الأوضاع ووصولها إلى الوضع البائس الذي وصلت إليه. وما دام هذا الكيان مَنْزوعاً عن أصله بلاد الشّام، فهذه الطّبقة السياسيّة - التي أفرزتها طبيعة هذا الكيان - ستستمرُّ في استِنْزاف أهل لبنان ومصِّ دمائهم وهدر ثرواتهم ومُدّخراتهم و إفقارهم وإذلالهم.
إنّنا نَتَوَجَّهُ إلى أهل لبنان لنقول لهم: إنّ مشاكل لبنان الاقتصادية، مثلها مثل غيرها من المشاكل، تعود بجذورها إلى أمور ثلاثة:
الأوّل، تركيبة لبنان:
إذ عندما تأسّسَ ما يُعرف بـ”دولة لبنان” – بعد اقتطاع أجزاء من سوريا وضمّها إليه – لم يكن هذا البلد يملك مقوّمات الدّولة من النّاحية الاقتصاديّة، وكان إعلانه سياسيّاً، ولمصلحة فرنسا يومها، ولم يُراعِ إعلانُهُ النّاحية الاقتصاديّة؛ فوُجِدَ كياناً مُصطنعاً ضعيف الاقتصاد. ولمعالجة هذا الأمر معالجة جذريّة، لا بدّ من ضمّ لبنان إلى محيطه الزّاخر بالثّروات الهائلة التي تحقّق الأمن الاقتصاديّ لجميع النّاس مسلمين وغير مسلمين، وتجعله بغنى عن الاستدانة، وتحقق له الكفاية الاقتصادية، ثمّ إنّ لبنان تُعْتَبَرُ أرضُهُ إِسلاميَّةً، وجزءاً من الدّولةِ الإسلاميَّةِ، وإنّ من واجب المسلمين فيه أن يعملوا على إرجاعه إلى أصله.
الثّاني، النّظام الاقتصادي الرّأسمالي:
هذا النّظام قائمٌ في لبنان على الحرّية التجارية والاحتكار والتعامل بالرّبا، وهو يؤدّي إلى تركيز غنى الأغنياء وزيادة ثرواتهم، وتركيز فقر الفقراء وإفقار متوسّطي الحال، وتحكّم الرأسماليين بالاقتصاد على حساب النّاس، ويزاد على ذلك فتح أبواب الدّولة على الشّركات الرأسماليّة الدّوليّة بحجّة الخصخصة والعولمة ما يساهم في تفاقم المشكلة الاقتصادية، ويزاد على ذلك أيضاً سياسة الإقراض الرّبوي التي تقف وراءها الدّول الرّأسمالية الجشعة عن طريق كتيّبات الأمم المتّحدة والمؤسّسات الدّوليّة كالبنك الدّولي وصندوق النقد الدّولي،...كل هذا يجعل لبنان فريسة سياسية اقتصادية لجشع الرأسماليّة المحليّة والدوليّة... .
هذا الوضع له حلٌّ واحد: الإِسلاَم، فهو نظامٌ رَبَّانيٌّ عالميٌّ، يتناول جميع شؤون الحياة، ومنها الناحية الاقتصادية، ويُؤَمِّنُ لرعايا الدّولة الإسلاميّة من مسلمين وغير مسلمين الحياة الهانئة. وتكفي نظرة واحدة إلى تطبيق الإسلام في التّاريخ لإدراك عظمة هذا الدّين ونجاعة معالجاته لمشاكل الحياة. وتكفي نظرة واحدة لمعالجاته، ومقارنتها بمعالجات الأنظمة الوضعية ليَتَبَيَّنَ الفَرقُ بين الأنظمة الوضعيّة والنظام الإلهي. ففي الإسلام استقرار نقدي لأنه يقوم على قاعدة الذّهب، وفيه حكم المِلْكِيَّة العامّة التي تجعل الثّروات الطبيعيّة الهائلة لجميع النّاس في الدّولة الإسلاميّة، وفيه حكم تحريم الاحتكار والرّبا، وحكم الأراضي التي تجعل كلّ شبر من الأراضي الزراعية مزروعة برعاية كاملة من الدّولة… قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}. وقال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}. وقال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ ءَايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى}.
الثّالث، الطّبقة السّياسيّة الحاكمة:
هذه الطّبقة التي ضرب فيها الفساد، فلا تخاف الله في النّاس. وما زاد الطّين بِلَّة دخول هذه الطّبقة على خطّ الاقتصاد، فاستأثرت بالحصول على امتياز الشّركات الأجنبيّة، وبتلزيم المشاريع لشركاتهم الخاصّة أو المحسوبة عليهم، وسنّ القوانين وفق مصالحهم، وفتح الباب أمام المحسوبين عليهم ليعيثوا في المال العام – أموال النّاس – نهباً بلا رقيب ولا حسيب. ففي أحد البرامج السياسية المتلفزة التي استضافت وزير الطّاقة أيوب حميّد، فاجأ المذيعُ الوزيرَ حين أخبره بأنّ عمود كهرباء في البقاع كلّف خزينة الدّولة مليوناً ونصف المليون دولار، أمّا شركة كهرباء لبنان فقد كلّفت وحدها خزينة الدّولة اللبنانيّة منذ العام 1991م أكثر من عشرة مليارات دولار.
إنّ تركيبة لبنان الطّائفيّة التي على أساسها أنشأَتْه فرنسا، هو الذي أسهم في فساد الطّبقة السياسيّة، وحوّل لبنان إلى مزرعة. يقول نائب رئيس مجلس النوّاب إيلي الفرزلي في تصريح لجريدة «الأنوار«: “... وإن دولة القانون لم تنشأ، وإن منطق المزارع لا يزال هو السائد. وهذا الأداء السياسي هو الذي سبب الأزمة الاقتصادية، الاجتماعية، المالية، وهذا ما يجعل النّاس يدفعون الأثمان الغالية، والآهات والآلام والعذاب الذي نراه في كل بيت”. إنّ عقلية حكام لبنان وسياسيِّيه تتشكل بناء على المحاصصة الطائفية، حتى صار المسؤول مَحْمِيّاً من طائفته مهما فعل، وهذا ما جعل الوضع السياسيَّ في لبنان يتردّى أكثر وأكثر حتّى وصل إلى هذه الحال. بينما في الإسلام نجد قانون «من أين لك هذا؟« منفّذاً فعليّاً وليس شعاراً يرفع من باب النكاية. حتّى الهديّة تُهدى للحاكم أو العامل وأمثالهما يحرّمها الإسلام، فقد روى البخاريُّ عن أبي حميد السّاعدي: «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم استعمل ابن اللَّتَبِيَّة على صدقات بني سُلَيْمٍ، فلما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحاسبه، قال: هذا مالُكم، وهذه أُهديَت لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فَهَلاَّ جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، ثُمَّ خَطَبَنَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلاَّنِي اللَّهُ فَيَأْتِي فَيَقُولُ هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ. وَاللَّهِ لا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلاَّ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ«.
إنّنا نتوجّه إلى أهل لبنان بكل طوائفه لنقول لهم: إنّ الحلّ الجذريّ لمشاكل لبنان، يقوم على حكمه بالإسلام، بعد إعادته إلى أصله بلاد الشّام، التي بدورها تُعاد إلى دولة الخلافة الإسلاميّة التي تضمُّ سائر الأقطار الإسلاميّة. دولة الخلافة التي تمتلك أسباب القوّة وتتجمّع فيها مقدّرات البلاد الإسلاميّة الهائلة، الدّولة التي تحكم رعاياها من مسلمين وغير مسلمين بعدل نظام الإسلام الإلهيّ، ومنه النظام الاقتصادي، دولة لا حصانة فيها لرئيس ولا مرؤوس، يحاسب فيها خَليفَةُ المسلمين ويحاكم أمام «مَحْكَمَةِ المَظَالِمِ« هو أو أيٌّ من الحكّام في أرجاء الدّولة إن هم ظلموا أو خالفوا الأحكام الشرعيّة، دولة يكون فيها حكم الله فوق الجميع ... فإلى الحلِّ الجذريِّ ندعو الجميع.
قال الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا}
|