|
أعلن فيصل صالح، وزير داخلية باكستان، في العشرين من تشرين أول 2003م، حظر عدة تنظيمات من بينها حزب التحرير تحت مقولة مكافحة الإرهاب، زاعماً اتهاماتٍ باطلة ضد الحزب. وقد كان وزير الداخلية قبل الحظر بيوم قد مهد لهذا الحظر، حيث أعلن في مقابلة: (لقد توفَّرت لدى الحكومة أدلة ثابتة على أن هناك جماعاتٍ ذات نشاطات طائفية، وعنف متطرف، ولها مليشيات عسكرية. وإن الحكومة ستقوم بحظرها) . إن الأمة تعلم جيداً، وكذلك يعلم وزير الداخلية أنَّ حزب التحرير حزب سياسي لا علاقة له بالعنف والطائفية والمليشيات العسكرية، وأنه يعمل بالكفاح السياسي لإعادة الخـلافة في البلاد الإسلامية، وقد مضى عليه خمسون سنةً ولَم يعرف عنه خلال حمله للدعوة أنه استعمل الكفاح المسلح ضد أية دولة في البلاد الإسلامية على الرغم من أن شباب الحزب قد تعرضوا على أيدي حكام هذه الدول لأبشع جرائم الاضطهاد والتعذيب المفضي للاستشهاد، وبقي الحزب متقيداً بطريقة الكفاح السياسي والوسائل السلمية. ولَم يكن عدم استعماله للكفاح المسلح خوفاً من هذه الدول، بل التزاماً بطريقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أثناء الدعوة في مكة المكرمة، حيث إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اقتصر في مكة على تبليغ الدعوة بالصراع الفكري والكفاح السياسي، ولَم يستعمل العنف المسلح ضد كفار قريش على الرغم مـمّا لاقاه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته رضوان الله عليهم من أساليب وحشية على أيدي رؤوس الكفر في مكة.
إنَّ حكومة باكستان تدعي أيضاً أن حظر حزب التحرير ليس نتيجة إملاءات أميركية؛ لكنَّ الحقيقة غير ذلك، فإن أمريكا هي التي أملت الأسس والمعايير لقانون مكافحة الإرهاب، وهي تتابع تنفيذ هذه الأسس والمعايير مباشرةً. فقد صرحت كريستينا روكا وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية في 10/10/2002م: (قررت أمريكا وباكستان إنشاء «مجموعة عمل» لدراسة وضع قانون باسم مكافحة الإرهاب لتتمكن الحكومة في باكستان بموجبه من منع الجماعات السياسية المعارضة. وقد عقدت هذه المجموعة اجتماعها الأول في أيار بواشنطن) ثم أضافت: (لقد عقدنا العزم على مساعدة باكستان في تنفيذ هذا القانون وجعلها دولةً عصريةً بمقاييس العصر في مكافحة الإرهاب) . بعد ذلك قام مشرف في الشهر نفسه بتعديل قانون مكافحة الإرهاب السابق للمرة الثانية ليتطابق مع المعايير الأمريكية وجعله مغرقاً في السوء. وبموجب هذا القانون المعدَّل فقد أصبحت الحكومة تستطيع وضع أي حزب ضمن قائمة مكافحة الإرهاب دون أي دليل، ومن ثم حظره، وكذلك يمكنها وضع أي شخص في السجن لمدة سنة دون أي حكم بإدانته من أية محكمة. وقد قام مشرف، تحت غطاء هذا القانون، بحظر التنظيمات المجاهدة في كشمير، وهو الآن يستعمله لحظر أية جماعة تعترض على احتلال أمريكا للمنطقة، وتكشف مخططاتها الإجرامية، وتظهر للناس خيانة حكام المنطقة للأمة، وتبعيتهم لأمريكا. وحظر حزب التحرير بموجب هذا القانون يؤكد ذلك. وهكذا فإن المتتبع لأصل تشريع هذا القانون، والجهات التي ينفذون القانون ضدها، يتبين له أن هذا القانون موضوع بمعايير أمريكية لمنع كل من يعترض عليها. وهناك أمر آخر كشفه حظر حزب التحرير وهو أنَّ خدعة الديمقراطية الزائفة وحرية التعبير التي يتشدق بها مشرف ما هي إلا وهم كاذب، فإنّ الحكومة بدل أن تصغي لكلمة الحق التي يقولها الحزب، وترد على الفكر بالفكر، والحجة بالحجة، لجأت بدل ذلك إلى القوة والحظر، مما يكشف إفلاسها الفكري، وخلوها من الحجة. وهذه حقيقة ثابتة: إن الباطل لا يمكن أن يقوى على الوقوف أمام الحق، وإن الباطل سريع الزوال. {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} [الأنبياء 21/18] .
من كل هذا يتبين أن المعايير التي وضعتها أمريكا لمكافحة الإرهاب هي التي اعتمدت، وهي مصممة لتصب في الحفاظ على مصالحها، وإبعاد أي تهديد لهيمنتها على المنطقة. ولكي تُقوِّي أمريكا قبضتها، وبخاصة بعد بسط نفوذها على أفغانستان وباكستان، فإنها اتبعت خطوات بريطانيا عند احتلالها لشبه القارة الهندية، وذلك بقمع أي صوت يرتفع ضد احتلالها للمنطقة. يضاف إلى ذلك حرص أمريكا القوي على تثبيت موقع عميلها (المخلص) مشرف في الحكم، وإزالة أية عوائق تقف في طريق تنفيذه لمخططاتها.
إنَّ أمريكا تعلم حقَّ العلم أن جذور الإسلام تمتد إلى أعماق قلوب المسلمين، وأن لا شيء يحبونه أكثر من هزيمة الكفار وإعلاء راية الإسلام عالياً. يضاف إلى ذلك أنَّ عدوان أمريكا الوحشي على أفغانستان والعراق قد أوجد نقمةً عارمةً عند المسلمين على هذا العدوان. وعليه، فإن أمريكا تدرك أن عودة الخـلافة والتفاف المسلمين الأكيد حولها سيجعل أبواب المنطقة مغلقةً في وجه أمريكا وأطماعها وسيردّ كيدها في نحرها، ولذلك فإن أمريكا تسرع الخطا في إعداد مشاريع مجابهة المد الإسلامي في باكستان، وتنفيذ هذه المشاريع على أيدي حكام باكستان وزمرته، مستعملةً إياهم أحجار شطرنج في مخططاتها. لكن الذي يجب أن تعلمه أمريكا أنها لن تستطيع إطفاء نور الإسلام، مهما بذلت من جهد ومهما جنَّدت من عملاء، فالله وعد بإتمام نور الإسلام ووعده الحق: {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} [التوبة 9/32] .
إن حزب التحرير يرفض هذا الحظر، ويعلن بوضوح أمام الحكومة في باكستان أنه مستمر في كفاحه السياسي بالوسائل السلمية لأداء هذا الفرض العظيم، فرض إقامة الخـلافة الراشدة ولن يقعده عن ذلك أي حظر. كما أن الحزب يحذر الحكام في باكستان من غضب الأمة يوم يكرمها الله بنصره القريب بإذن الله سبحانه، وعندها لن تستطيع أمريكا إنقاذهم، بل سيكونون هم وأمريكا وعملاؤها في خسران مبين في الدنيا والآخرة، ويكون النصر والفوز للمؤمنين {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} [غافر 40/51] .
|