|
الحمد لله أن أعاد الله شهر رمضان على المسلمين مرة أخرى. هذا الشهر الذي انزل فيه القران الكريم هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. وفيه ليلة القدر تلك الليلة التي هي خير من ألف شهر لمن شهدها وهو عابد لله. وهو الشهر الذي فرض الله-سبحانه وتعالى- على الناس صيامه. وهو الشهر الذي تصفد فيه الشياطين وتقفل النار أبوابها وتفتح الجنة أبوابها . وهو الشهر الذي تسمو فيه روحانيات المسلمين تقوى من الخالق القوي العزيز.
استغلت الأجيال السابقة من المسلمين - عندما كانت تحكم بكتاب الله سبحانه وتعالى - بركة شهر رمضان في تسطير الانتصارات على الكفر. فبقيادة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) انتصرت الدولة الإسلامية على قريش في بدر وقد كانت قريش حينها قائدة للقبائل العربية. وقد جاء هذا الانتصار في الوقت الذي كان فيه جيش الدولة الإسلامية قليل العدد والعدة يقاتل أعداءه من جيوش الكفر التي تفوقه في العدد والعتاد والخبرة.
{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} آل عمران123
كما فتحت الدولة الإسلامية مكة في رمضان ودانت قريش أخيرا لحكم الإسلام، وانهى المسلمون بذلك ظلم قريش، وعبّدوا الطريق أمام اتساع الدولة الإسلامية في جميع جنبات المعمورة، وانزل الله قرانا يتلى بعد فتح مكة، قال تعالى سبحانه وتعالى:
{إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ،وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً} النصر2
ومن جاءوا بعد انقضاء فترة النبوة، وهم الخلفاء الراشدون، كذلك حققوا انتصارات كثيرة في رمضان، فقد كانت انتصاراتهم على أعدائهم مفصلية في التاريخ الإسلامي. وكان للمسلمين جولات نصر على الصليبيين في بلاد الشام في رمضان على طول احتلالهم لبلاد الشام نحو قرنين من الزمن ثم طردوهم شر طردة وطهروا البلاد من رجسهم. وقد انتصر المسلمون في رمضان كذلك على التتار الهمجيين في معركة عين جالوت بالرغم مما أحدثه التتار من تدمير هائل.
وعليه فعندما كان المسلمون يحكمون بالإسلام، وتنظم علاقاتهم بما انزل الله سبحانه وتعالى ، كان رمضان شهر انتصارات المسلمين على أعدائهم وأعداء الإسلام. أما اليوم فان رمضان يأتي مع غياب دولة الخلافة الإسلامية حيث الأمة تخضع لجبروت الكفر في جميع نواحي حياتها.
ففي شهر رمضان الحالي لم تفرغ الأمة بعدُ من عدِّ ضحاياها منذ احتلال الكفار للبلاد الإسلامية في أفغانستان والعراق وفلسطين وكشمير ... وفي رمضان الحالي منعت الجيوش الإسلامية من نصرة المسلمين، بل وأكثر من ذلك، فقد أرسلت لحماية الكفار من المسلمين. وفي رمضان الحالي تواجه الأمة حملة عنيفة ضد اغلي شيء عندها وهو الإسلام وذلك عن طريق نشر الاستعمار ثقافته الغربية بين المسلمين من خلال تغيير مناهج التعليم وعن طريق الإعلام والدعاية لثقافته. وفي رمضان الحالي يواجه المسلمون الفقر المدقع في الوقت الذي يستغل الاستعمار فيه ثروات المسلمين الهائلة .
بالرغم من أن بلاد المسلمين واسعة وغنية بالثروات الطبيعية، وسكانها وأعداد جيوشها أرقام ضخمة، وبالرغم من أن عندها الدين الصحيح وهو الإسلام، بالرغم من كل هذا فان الأمة ترزح تحت نير الكافرين. إن هذا ليس غريباً ما دامت الأمة تعيش بدون دولة الخلافة الإسلامية، وما دامت الأمة لا تساس ولا تحكم بإحقاق الحق وإبطال الباطل. بل على العكس من ذلك فان الأمة تساس وتحكم بما يرضي الاستعمار. فلم تعد السياسة عند المسلمين رعاية لشؤونهم بما يرضي الله سبحانه وتعالى، بل أصبحت مسابقة بين من يطمعون في رضى المستعمرين، فهي سجال وتنافس على خدمة مصالح الكفار يعرضها الحكام الحاليون!
أيها المسلمون في الباكستان!
إن إزالة الأذى الشديد الذي تتعرض إليه الأمة من الكفار في شهر رمضان هذا، لا تكون فقط بالتوجه إلى الله سبحانه وتعالى بالصلاة والصوم، بل يجب عليكم بجانب الصلاة والصيام العمل لتطبيق دين الله - سبحانه وتعالى - في الأرض وان ترسِّخوا هيمنة الدين على جميع طرق العيش المختلفة بإقامة دولة الخلافة الإسلامية، وهكذا يعود رمضان إلى تسطير الانتصارات تلوا الانتصارات مرة أخرى. فالعمل لتغيير الأنظمة الفاسدة الحالية والعمل لإقامة دولة الخلافة ليس مسالة حياة أو موت فحسب، بل هو فرض فرضه الله سبحانه وتعالى، وقعود المسلمين عن القيام بهذا الواجب، وسكوتهم عن وزر الحكام، سيجعل حال المسلمين يزداد سوءًا في الدنيا، ثم يستحقون بقعودهم وسكوتهم عن المنكرعذاب الله وغضبه في الآخرة، فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ حَتَّى يَرَوْا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ فَلَا يُنْكِرُوهُ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ)).
انتفعوا، أيها المسلمون، من شهر رمضان المبارك يرحمكم الله. توجهوا إلى الله -سبحانه وتعالى- بتكثيف عملكم وكفاحكم ضد الحكام الفاسدين واحلال الخلافة مكانهم، فبالخلافة وحدها يقام الإسلام كسلطان يحمي بيضة المسلمين ودينهم، ويقذف الرعب في صدور الأعداء. واعلموا أن الله وعدكم بالنصر إن وفيتم شرط النصرة فقد قال سبحانه وتعالى:
{وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} آل عمران139
|